اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-19 00:22:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي في السياسة. المواقف لا تتغير لأن القناعات تغيرت فجأة، بل لأن الحقائق على الأرض تفرض نفسها على حسابات قديمة. ولعل هذا ما يفسر التحول الملحوظ الذي بدأت ملامحه تتشكل في طريقة تعامل بعض العواصم الغربية مع الإسلاميين السودانيين، بعد سنوات طويلة كان عنوانها الأبرز الإقصاء والعزلة والإقصاء من أي ترتيبات سياسية حالية أو مستقبلية. وإذا صحت الأخبار المتداولة عن اجتماعات في واشنطن ولندن وبروكسل نحو تبني نهج أكثر انفتاحا تجاه الإسلاميين، فلا يمكن قراءتها على أنها تحول أيديولوجي أو مراجعة فكرية لمواقف الغرب التقليدية من الإسلام السياسي، بقدر ما تعكس تحولا جديدا في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها هذه القوى الدولية. ولا تدير القوى الكبرى سياساتها على أساس القبول أو الرفض السياسي أو الأخلاقي للفاعلين السياسيين، بل وفق معيار المصالح، وتوازن القوى على الأرض، والقدرة على التأثير. طوال السنوات التي تلت سقوط نظام الإنقاذ، كانت قطاعات من القوى السياسية السودانية وبعض الجهات الدولية على قناعة بأن إزاحة الإسلاميين من المشهد يمثل شرطًا ضروريًا لنجاح التحول السياسي. لكن الحرب التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023 كشفت سريعاً عن عيوب هذا النهج. وبدلا من تراجع نفوذ الإسلاميين أو غيابهم عن المشهد، خلقت الحرب واقعا جديدا جعلهم جزءا من معادلة السيطرة والنفوذ. ومن الواضح أن الإسلاميين انحازوا إلى القوات المسلحة والإرادة الوطنية، وساهموا مع آخرين بدرجات متفاوتة في عمليات التعبئة والدعم السياسي والمجتمعي، وهو ما جعلهم، سواء اتفق معهم أو اختلف معهم، أحد المكونات المؤثرة والفعالة في ميزان القوى الذي تشكل أثناء الحرب. وفي عالم السياسة، من الصعب تجاوز أي قوة أثبتت قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث أو التعامل معها على أنها خارج المعادلة. لكن المتغير الأهم قد لا يكمن داخل السودان وحده، بل في التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة مؤخرا. أثارت المواجهة المفتوحة بين إيران وأميركا وإسرائيل، وما نتج عنها من تداعيات، تساؤلات مهمة حول مستقبل النظام في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من سنوات العقوبات والضغوط والحصار الممتدة، إلا أن استراتيجية إخضاع إيران أو تقليص نفوذها لم تنجح، كما كانت تطمح إليه بعض القوى الغربية والإقليمية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة المتعلقة بوقف إطلاق النار أن طهران لا تزال تتمتع بالقدرة على فرض تكلفة استراتيجية على خصومها، وأن شبكات نفوذها الممتدة في المنطقة لا تزال تشكل جزءاً من معادلات القوة والتوازن. والأهم من ذلك أنها كشفت أن الاستقرار الإقليمي لم يعد ممكنا من خلال سياسات الإقصاء، بل من خلال ترتيبات واقعية لإدارة التوازنات القائمة. ومن هنا يمكن أن نفهم جانباً مهماً من التحول نحو الإسلاميين السودانيين. ولم تعد المسألة تتعلق فقط بترتيبات القوى في الخرطوم، بل بموقع السودان ضمن الخريطة الجيوسياسية الجديدة للبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وأصبحت هذه المنطقة من أهم مسارح التنافس الدولي، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والأوروبية والخليجية مع مصالح القوى الإقليمية الأخرى التي تسعى إلى توسيع نفوذها على طول الممرات البحرية الحيوية. في ظل هذه الحقائق، لم يعد من السهل على القوى الغربية المجازفة بدفع المكونات السياسية المؤثرة نحو خيارات بديلة. ويدرك أصحاب القرار في الغرب أن سياسة العزلة قد تدفعهم للبحث عن مسارات أخرى خارج المنظومة التي يسعون إلى بنائها لحماية الممرات البحرية. ولذلك تبدو سياسة الاحتواء أكثر انسجاماً مع متطلبات المرحلة من سياسة الإقصاء. وما يعزز هذه القراءة هو أن الجدل الحالي لا يدور حول عودة الإسلاميين إلى السلطة، بل يدور حول دمجهم في العملية السياسية. ويرتكز موقفهم المعلن على عدم المشاركة في أي ترتيبات للحكم الانتقالي، وأن مسألة الوصول إلى السلطة يجب أن تظل خاضعة لإرادة الناخبين عبر الانتخابات. ولذلك فإن جوهر التحول الحالي لا يكمن في منح الإسلاميين السلطة، بل في الاعتراف باستحالة بناء عملية سياسية شاملة دون أن يكونوا جزءاً منها. لقد أثبتت تجارب المنطقة أن محاولات إعادة هندسة المجتمعات والقوى السياسية من خلال الإقصاء غالباً ما تؤدي إلى أزمات جديدة أكثر تعقيداً. ولذلك، بدأت رهانات الإقصاء تتراجع تدريجياً لصالح مقاربات أكثر واقعية تقوم على إدارة الخلافات واحتواء التناقضات ضمن الأطر السياسية الوطنية. وقد لا يقتصر تأثير هذا التحول على السودان وحده. بعد حرب إيران، تتوقع المنطقة أن تنتقل من مرحلة كسر الخصوم إلى إدارة التوازنات معهم. وقد ينعكس ذلك مستقبلاً في توجهات مماثلة تجاه القوى السياسية الأخرى في أكثر من دولة عربية. وعندما تفشل سياسات القهر، تصبح البراغماتية السياسية الخيار الأقل تكلفة والأكثر استدامة. وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تحول في الموقف من الإسلاميين السودانيين، بل هو انعكاس لتحول أوسع في التفكير الاستراتيجي الإقليمي والدولي. وكما أعادت الحرب السودانية رسم ميزان القوى داخلياً، فإن التحولات الجيوسياسية في المنطقة أعادت رسم أولويات الجهات الدولية الفاعلة. وبين العزلة والاحتواء، انتصرت «الواقعية السياسية» من جديد، لأن السياسة في النهاية لا تتعامل مع الرغبات، بل مع الحقائق التي تفرضها موازين القوى والجغرافيا ومصالح الدول. دمتم بخير وعافية. الثلاثاء 16 يونيو 2026م Shglawi55@gmail.com الكاتب




