اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-19 21:51:00
ولا تقاس كل الاتفاقات الكبرى بحجم ما تتضمنه من بنود، بل بحجم التحولات التي تفرضها على البيئة السياسية المحيطة بها. ومن هذا المنطلق، يبدو الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير بمثابة حدث يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ليتحول إلى نقطة تحول قد تعيد رسم خرائط التوازنات الإقليمية، وتجبر مختلف الأطراف على مراجعة حساباتها السياسية والأمنية. وبعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر غير المسبوق، اختار الطرفان الانتقال من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إدارة الصراع عبر التفاوض، فيما احتفلت بعض العواصم بذلك. التحول، باعتباره فرصة لتجنب حرب إقليمية واسعة، استقبلته الأطراف الأخرى بحذر شديد، معتبرة أن ما حدث لا يمثل حلاً للأزمة بقدر ما يمثل تأجيلاً لمواجهة مؤجلة. ولعل المفارقة الأهم تكمن في أن الاتفاق لم ينه الجدل حول مستقبل المنطقة، بل فتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيدا: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الهدوء الإقليمي؟ أم أن هناك هدنة مؤقتة ستختبرها ملفات شديدة الحساسية أبرزها الملف اللبناني؟ هل تستطيع الولايات المتحدة وإيران تحويل التفاهم المرحلي إلى تسوية أوسع، أم أن التناقضات البنيوية بين الطرفين ستعيد إنتاج الأزمة بطريقة مختلفة؟ الاتفاق الأميركي الإيراني.. ما الذي تغير فعلاً؟ وبعيداً عن اللغة الدبلوماسية المعتادة، يمكن القول إن الاتفاق يعكس واقعاً سياسياً واضحاً: فلا واشنطن تمكنت من فرض رؤيتها بشكل كامل، ولا طهران خرجت من المواجهة مهزومة على النحو الذي أراده خصومها. وبدت الولايات المتحدة، التي وجدت نفسها أمام مخاطر توسيع الحرب والتداعيات الاقتصادية والأمنية العالمية التي قد تصاحبها، أكثر ميلاً إلى تثبيت الهدنة وفتح نافذة تفاوض جديدة. أما إيران، فقد تعاملت مع الاتفاق باعتباره اعترافا ضمنيا بأنها لا تزال لاعبا إقليميا لا يمكن تجاوزه أو فرض ترتيبات أمنية في المنطقة من دونه. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن فقط في وقف العمليات العسكرية أو إطلاق عملية تفاوضية تمتد لستين يوماً، بل في أنه يعكس تحولاً في أولويات الطرفين؛ من السعي إلى كسر الإرادة السياسية للطرف الآخر، إلى محاولة إدارة المنافسة ضمن حدود أقل تكلفة وأكثر قابلية للتحكم. ولكن التاريخ السياسي للشرق الأوسط يعلمنا أن الاتفاقيات المؤقتة كثيراً ما تكون بداية اختبارات أكثر صعوبة، وليست نهايتها. إسرائيل.. الحليف الذي لم يخف تحفظاته. وإذا كان الاتفاق أعطى واشنطن وطهران فرصة للتنفس، فإنه في المقابل أثار موجة من القلق داخل إسرائيل، سواء على المستوى السياسي أو الأمني. والاعتراض الإسرائيلي لا يتعلق فقط بالبنود الحالية للاتفاق، بل بما تعتبره تل أبيب غيابا له. لمعالجة الملفات التي تعتبرها ضرورية، مثل الملف النووي، والبرنامج الصاروخي الإيراني، وشبكة النفوذ الإقليمي الممتدة في عدد من الساحات العربية، وترى العديد من الأوساط الإسرائيلية أن أي تخفيف للضغوط المفروضة على إيران خطوة قد تمنح طهران مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية. واللافت أن الحديث لم يعد مقتصراً على مضمون الاتفاق نفسه، بل امتد إلى طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال هذه المرحلة، حيث كشفت الأيام الأخيرة عن خلافات واضحة في التوجهات السياسية، وظهرت مؤشرات على توتر غير عادي في تبادل الكلام بين بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، في مشهد نادر نسبياً مقارنة بطبيعة التحالف التقليدي بين الطرفين، والذي كان آخرها الرد القاسي لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على التصريحات الصادرة عن بعض المسؤولين الإسرائيليين حول الاتفاق الأمريكي الإيراني. لكن من الخطأ تفسير هذه التناقضات على أنها قطيعة استراتيجية، فالعلاقة الأميركية – الإسرائيلية أعمق من أن تتأثر بملف واحد، لكن ما يحدث يعكس اختلافاً في ترتيب الأولويات. ويبدو أن واشنطن منشغلة بمنع الانزلاق إلى حرب طويلة، بينما تركز إسرائيل على ضمان عدم تحول الاتفاق إلى نقطة انطلاق لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. لبنان.. ميدان الاختبار الأول في الشرق الأوسط. وغالباً ما تتحول الملفات المحلية إلى ساحات تعكس صراعات إقليمية أوسع، ومن بين هذه الملفات، يبرز لبنان باعتباره المرشح الأبرز ليكون الاختبار العملي الأول لمتانة التفاهم الأميركي – الإيراني. اللافت أن التفاهم المعلن تضمن وقف العمليات العسكرية التي تشمل الساحة اللبنانية أيضاً، وهو ما يعكس وعياً لدى الطرفين بأن أي استقرار في المستقبل سيكون هشاً إذا ظلت الجبهة اللبنانية مفتوحة لاحتمال التصعيد. لكن أهمية لبنان لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي أو من ارتباطه المباشر بمعادلات الأمن الإقليمي، بل من كونه يمثل نقطة تقاطع بين المصالح الإيرانية والإسرائيلية والأميركية في الوقت نفسه. ولذلك فإن نجاح التهدئة هناك سيُقرأ على أنه مؤشر على إمكانية انتقال الاتفاق إلى مراحل أكثر استقراراً، في حين أن أي تدهور ميداني قد يؤدي إلى تقويض الثقة وإعادة طرح التساؤلات حول جدوى التفاهم برمته. لذا، لا يبدو مستبعداً أن يتحوّل الملف اللبناني. خلال الأشهر المقبلة، ستكون هناك ساحة سياسية لاختبار النوايا، وليس ساحة مواجهة عسكرية مباشرة، حيث يدرك كل طرف أن أي خطوة في لبنان ستكون لها تداعيات تتجاوز حدوده، وتصل إلى مستقبل الاتفاق نفسه. ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنطقة السيناريو الأول: من التفاهم المؤقت إلى التسوية التدريجية. ويفترض هذا السيناريو نجاح فترة التهدئة في بناء الحد الأدنى من الثقة الذي يسمح للطرفين بالانتقال إلى تفاهمات أوسع حول الملفات الأكثر تعقيداً. وفي هذه الحالة، قد نشهد تراجعاً تدريجياً في مستوى التوتر الإقليمي، واتساعاً في قنوات الاتصال غير المباشرة، ومحاولات إدارة ملفات الخلاف ضمن أطر التفاوض بدلاً من الساحات العسكرية. ورغم أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة، إلا أنه يبقى ممكناً إذا اقتنع الطرفان بأن تكلفة العودة إلى المواجهة أعلى من تكلفة تقديم التنازلات المتبادلة. السيناريو الثاني: إدارة الأزمة دون حلها، وهو السيناريو الأكثر واقعية في المستقبل المنظور. وبحسبه فإن الاتفاق مستمر ويمنع انفجاراً كبيراً، لكنه لا ينجح في معالجة جذور الخلاف، وفيه تبقى الملفات النووية والأمنية والإقليمية موضع خلاف، لكن ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى الحرب. شامل. وفي هذه الحالة، يدخل الشرق الأوسط مرحلة يمكن وصفها بـ«التنافس المنضبط»، حيث تستمر المنافسات السياسية والاستراتيجية، ولكن تحت سقف يمنعها من التحول إلى مواجهة مفتوحة. السيناريو الثالث: تعثر التفاهم والعودة إلى التصعيد. السيناريو الثالث يرتكز على احتمال فشل المفاوضات اللاحقة أو حدوث أحداث ميدانية تعيد خلط الأوراق. والاتفاق الحالي، رغم أهميته، ما زال هشا بطبيعته، ويعتمد إلى حد كبير على قدرة الأطراف المختلفة على ضبط سلوكها خلال الفترة المقبلة، وأي أزمة أو انهيار مفاجئ. فقدان الثقة قد يعيد المنطقة بسرعة إلى دائرة التصعيد. وفي مثل هذا السيناريو قد تتحول الساحات الأكثر حساسية، وأبرزها لبنان، إلى نقاط احتكاك تعكس التوتر المتجدد بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. وفي السياسة الدولية، لا تكمن أهمية الاتفاقيات الكبرى في لحظة توقيعها، بل في قدرتها على الصمود في وجه الاختبار الحقيقي الأول، واليوم يقف الشرق الأوسط أمام لحظة من هذا النوع. لحظة تمتزج فيها فرص التهدئة بمخاوف الانهيار، وتتقاطع فيها الحسابات الأميركية والإيرانية مع المخاوف الإسرائيلية وتعقيدات القضايا الإقليمية. وقد نجح الاتفاق في وقف مسار التصعيد الذي كان من الممكن أن يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع، لكنه لم ينجح بعد في إزالة الأسباب العميقة التي أنتجت الأزمة في المقام الأول. لذلك، لم يعد السؤال هل تم التوقيع على الاتفاق أم لا، بل هل هو قادر على التحول إلى مسار سياسي مستدام. بين واشنطن وطهران، وبين التحفظات الإسرائيلية وحساسية الملف اللبناني، ستتحدد ملامح المرحلة. وفي المستقبل، كما هي الحال بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فسوف تظل كما كانت دائماً: منطقة لا تتقرر فيها النتائج عندما يتم التوقيع على الاتفاقيات، بل عند الاختبار الأول لقدرتها على البقاء.




