اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-26 00:31:00
إذا التقيت بنفسي قبل 15 أو 20 عامًا، فلا أعتقد أنها ستتفاجأ بالإنجازات أو بما وصلت إليه. ستكون دهشتها لشيء آخر، شيء لم تكن تتوقعه؛ من الطمأنينة. ليس لأن الحياة أصبحت أسهل، ولا لأن الألم قد اختفى. ولكن لأنها اعتقدت أن السكينة تعني غياب الألم، وأن السلام يعني أن كل شيء متساوٍ. اليوم أدركت شيئًا مختلفًا؛ الطمأنينة ليست غياب الفوضى، بل هي شكل من أشكال التصالح مع ما يحدث، والقدرة على التعامل معه دون فقدان التوازن الداخلي. يتغير الناس، وتتغير الأحلام، وتتغير المخاوف. يدخل حياتنا أشخاص نعتقد أن الحياة ليست بخير بدونهم، ثم يغادرون. تتوسع تجاربنا، وما ظننا أنه حقيقة مطلقة نكتشفه فيما بعد ما هو إلا مرحلة من الفهم. وعلى الرغم من كل هذا التغيير، فإننا نبقى مع شعور خفي بالاستمرارية. يبدو الأمر كما لو أن شيئًا ما يربط نسختنا القديمة والجديدة داخليًا دون انقطاع. وهنا يطرح السؤال: ماذا يبقى منا حقاً عندما يتغير كل شيء؟ ربما لأن الإنسان لا يتكون من الظروف التي مر بها، ولا من الأشخاص الذين عرفهم. هذه الأشياء كلها تتغير باستمرار. وأما ما بقي فهو خيط غير مرئي؛ قد يكون سؤالًا داخليًا لا يفارقنا، أو قيمة نعود إليها في كل مرحلة، أو بحثًا مستمرًا عن معنى يجعل الحياة أكثر وضوحًا. يبدو الأمر كما لو أننا لا نتغير دفعة واحدة، بل نعيد تشكيلنا بهدوء، مثل الضوء الذي يتغير على سطح الماء الساكن، دون أن يفقد الماء هويته. بالنسبة لي، كان هذا الموضوع هو البحث عن السلام. اعتقدت في مراحل سابقة أن السلام موجود في الخارج؛ في تحقيق الأمنيات، في استقرار الظروف. لكن السنوات علمتني أن السلام أعمق من ذلك بكثير. مع مرور الوقت، أدركت أن ما يحدث لنا ليس دائمًا تحت سيطرتنا، ولكن الطريقة التي نستجيب بها هي ما يصنع الفرق الحقيقي. بين ما يحدث لنا وما سنصبح عليه، هناك مساحة صغيرة ولكنها حاسمة. هناك يتشكل الوعي، وهناك تبنى شخصياتنا بهدوء، دون ضجيج، وكأننا لا نتغير تحت الضوء، بل بعمق صامت لا يراه أحد. ومن هذا المنطلق، لم يعد التغيير يشكل تهديدا لهويتنا، بل جزءا من تكوينها. كل تجربة نمر بها، سواء كانت سهلة أو قاسية، تعيد تشكيلنا بشكل أعمق، كجبل يراه المارة من بعيد كتلة واحدة، بينما هو في الحقيقة طبقات من القمم والأسئلة. وربما الأهم من ذلك؛ إن معرفتنا بالحياة ليست نهائية أبدًا. في كل مرحلة نعتقد أننا فهمنا الحقيقة، ثم نكتشف فيما بعد أن هناك طبقة أعمق لم نرها. وكأن الذات ليست صورة ثابتة، بل هي طبقات تتكشف بمرور الوقت. كلما ظن الإنسان أنه اقترب من اكتمال الفهم اكتشف أن هناك مستوى آخر لم يصل إليه بعد. ولهذا أعتقد أن النضج لا يعني امتلاك كل الإجابات، بل يعني التواضع في مواجهة الأسئلة. الحكمة ليست في الوصول إلى اليقين التام، بل في القدرة على مواصلة السير رغم عدم اكتمال الصورة، كمن يمشي وسط ضباب خفيف، أن نتعلم الثقة بخطواته أكثر من وضوح الطريق، اليقين بالله، والثقة بأن ما نمر به له معنى حتى لو لم نفهمه وقتها. ليس لنا يد في كل ما سيحدث لنا، ولكن لنا اليد في الطريقة التي سنواجه بها الأمر. قد نفقد أشياء كنا نظن أنها جزء من هويتنا، لكن ما يبقى في النهاية ليس ما مررنا به، بل ما تعلمناه. منه، ولا ما حدث لنا، بل الطريقة التي اخترنا أن نرد بها عليه. وفي النهاية، ربما يبقى ما نفكر فيه ثابتًا، بل يبقى الأثر الذي تتركه التجارب علينا عندما تهدأ الحياة، وطريقتنا في تحمل الألم الذي لا يوصف، والتفاهم والصبر. ربما لن نبقى كما كنا، بل سنبقى كما تعلمنا أن نكون بعد كل ما مر بنا.



