تونس – النائب علي: خطة التنمية 2026-2030 عشرة أيام لقراءة مستقبل خمس سنوات!

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – النائب علي: خطة التنمية 2026-2030 عشرة أيام لقراءة مستقبل خمس سنوات!

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-27 23:44:00

كتب النائب محمد علي ابتداء من 30 يونيو 2026، سيبدأ مجلس نواب الشعب مناقشة مشروع خطة التنمية 2026-2030، وهي الوثيقة التي ستحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال السنوات الخمس المقبلة. ويكتسب هذا التاريخ أهمية خاصة، باعتبار أن الخطة لا تمثل مجرد برنامج حكومي، بل ترسي خيارات استراتيجية من المفترض أن ترسم السياسات العامة وتحدد أولويات الاستثمار والإصلاح والتنمية. ومع ذلك، فإن أهمية الحدث يقابلها مفارقة ملحوظة. ووثيقة يتجاوز حجمها 300 صفحة، وتتضمن عشرات المواضيع ومئات البرامج والمؤشرات، خصصت بحسب جدول أعمال المجلس ما لا يزيد عن عشرة أيام للمناقشة. وهنا يبرز سؤال جوهري، لا يتعلق فقط بمضمون الخطة، بل أيضا بالمنهج المعتمد في مناقشتها: هل عشرة أيام كافية لتمكين مجلس نواب الشعب من القيام بدوره الدستوري في دراسة وثيقة بهذا الحجم والتعقيد؟ وهذا السؤال لا يدخل في إطار الجدل الإجرائي، بل يمس جوهر العملية الديمقراطية وصنع السياسات العامة. إن اختصار مناقشة الخطة الخمسية للتنمية إلى فترة زمنية قصيرة لا يسمح بإجراء دراسة معمقة للوثيقة، ولا يحاسب الحكومة على افتراضاتها وخياراتها ومصادر تمويلها، ويجعل النقاش البرلماني أقرب إلى الإجراء الرسمي للموافقة منه إلى الممارسة الفعلية لوظائف التشريع والرقابة. لذلك، لا ينبغي أن تقتصر القراءة النقدية لهذه الخطة على تحليل مضامينها، بل يجب أن تبدأ أيضاً بنقد منهجية إعدادها ومسار مناقشتها، لأن ذلك يعكس علاقة غير متوازنة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، ونزعة فوقية في التعامل مع مؤسسة من المفترض أن تكون شريكاً أساسياً في رسم السياسات العامة، وليس مجرد هيئة تقرها. 1- بين الخطاب والواقع: في المضمون، رغم أن مشروع خطة التنمية 2026-2030 يطرح نفسه على أنه قطيعة مع السياسات السابقة، إلا أنه يكشف منذ البداية عن مفارقة جوهرية بين الخطاب والممارسة. وتؤكد الوثيقة أنها تعتمد “التخطيط من القاعدة إلى القمة” بدءاً من السلطات والمجالس المنتخبة، وأنها تجعل المواطن محور التنمية، لكنها لا تقدم آليات مؤسسية واضحة توضح كيف ستتحول هذه المقترحات المحلية إلى سياسات وطنية ملزمة، كما لا توجد مؤشرات تقيس المساهمة الفعلية للأطراف في صنع القرار التنموي. وهكذا يبقى الحديث عن التخطيط المرحلي أقرب إلى الإعلان الأولي منه إلى النهج العملي. وتستمر هذه المفارقة في الرؤية العامة للخطة، فهي ترفع شعارات العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والتكامل بين المناطق، لكنها في الوقت نفسه تراهن على تحسين مناخ الاستثمار وجذب الاستثمار الأجنبي والاندماج في سلاسل القيمة العالمية كمحركات أساسية للنمو. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن التوفيق بين هدف السيادة الاقتصادية وتعميق الارتباط بالاقتصاد العالمي، فيما أظهرت التجربة التونسية على مدى العقود الماضية محدودية هذا النموذج في الحد من البطالة وتقليص الفوارق الجهوية؟ ولا تناقش الوثيقة حدود هذا الخيار أو مخاطره، بل تفترض وجود انسجام تلقائي بين الأهداف الاجتماعية ومتطلبات السوق العالمية. 2- غياب الارتباط بين الأهداف والموارد: من أبرز نقاط الضعف في الخطة أن لغتها هيكلية في الغالب، إذ تتكرر عبارات مثل «التعزيز» و«التطوير» و«التأسيس» و«التدعيم»، دون تحديد دقيق للتكلفة المالية أو الأولويات الزمنية أو المسؤوليات التنفيذية. وتزداد هذه المشكلة عندما تقدم الخطة عشرات المؤشرات الكمية الطموحة دون ربطها بالإمكانيات المتاحة. على سبيل المثال، تطمح إلى رفع نسبة النجاح في البكالوريا إلى 60% عام 2030، ورفع نسبة التوجيه للمواد الدراسية إلى 65%، وتعميم السنة التحضيرية بنسبة 100%، والحد من التسرب من المدارس بشكل كبير، في حين تعترف بوجود نقص في البنية التحتية، وضعف النقل المدرسي، واستمرار المدارس بالأقسام المشتركة، وضعف التحصيل الطلابي، والعنف المدرسي. عدم مواكبة المناهج للتطورات العلمية. إلا أن الوثيقة لا تحدد حجم الموارد البشرية والمالية المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف، ولا مصادر تمويل الإصلاحات المقترحة. وتطرح نفس القضية على الجانب الاقتصادي. وتطمح الخطة إلى تحقيق معدل نمو سنوي في حدود 4.2%، وهو هدف مشروع من حيث المبدأ، لكنه يبدو طموحا إذا ما قورن بأداء الاقتصاد التونسي في السنوات الأخيرة، التي لم يتجاوز متوسط ​​النمو خلالها مستويات متواضعة، في ظل استمرار البطالة والعجز المالي والتجاري. ولذلك، كان من المتوقع أن تقدم الوثيقة تقييما أكثر تفصيلا للافتراضات التي بنيت عليها هذه التوقعات، وتشرح كيف ستنتقل تونس من معدلات النمو الضعيفة إلى هذا المستوى المرتفع في غضون سنوات قليلة. 3- السؤال المفقود: من أين سيأتي التمويل؟ ولعل الأجدر بالنقاش هو الجانب التمويلي، حيث تشير الوثيقة إلى أن تنفيذ الخطة يتطلب استثمارات تصل إلى ما يقارب 102 مليار دينار خلال الفترة 2026-2030. إلا أنها لا تقدم رؤية تفصيلية لكيفية تعبئة هذه الموارد، على الرغم من أن المالية العامة تتعرض منذ سنوات لضغوط كبيرة تتمثل في ارتفاع الدين العام، واستمرار عجز الموازنة، وضعف المدخرات الوطنية، والحاجة المستمرة لتمويل واردات الطاقة والمواد الأساسية. وهنا يصبح السؤال الأساسي: كيف ستوفر الدولة هذه الموارد دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الديون، أو الضغوط المالية، أو خفض الإنفاق الاجتماعي؟ وتزداد أهمية هذا السؤال إذا علمنا أن الجزء الأكبر من تمويل الخطة سيعتمد على الموارد العامة والمؤسسات العامة، في حين لا يمثل الاستثمار الخاص والأجنبي إلا نسبة محدودة من إجمالي التمويل. وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على تعبئة هذه الأموال في ظل هوامشها المالية المحدودة، خاصة أن تنفيذ الخطة يتطلب زيادة كبيرة في معدل الاستثمار العام مقارنة بما تحقق فعلياً خلال السنوات الماضية. 3- إعادة إنتاج نفس الخيارات الاقتصادية: في المجال الاقتصادي، هناك اعتماد متكرر على نفس الافتراض الذي حكم سياسات التنمية منذ التسعينيات، وهو أن تحسين مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار سيؤدي تلقائيا إلى خلق الثروات وفرص العمل. لكن الوثيقة لا تقدم تقييما نقديا لتجربة تونس السابقة، رغم أن هذه السياسات نفسها لم تكن قادرة على معالجة البطالة أو تقليص الفوارق الجهوية، بل ساهمت في بعض الأحيان في تعميقها. ولذلك فإن المخطط يعيد إنتاج نفس الأدوات مع تغيير الخطاب أكثر من تغيير النهج. ويلاحظ أيضاً عدم وجود رؤية صناعية واضحة. ويظل الحديث عن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي وسلاسل القيمة العالمية عاماً، ولا يحدد القطاعات الصناعية التي ستقود هذا التحول، ولا حجم الاستثمارات المطلوبة في البحث العلمي، ولا السياسات اللازمة لبناء القدرات التكنولوجية الوطنية المستقلة. 4- في مجال العدالة الاجتماعية والحوكمة: في محور رأس المال البشري، تعتبر الوثيقة الإنسان محور التنمية، لكنها تقيس نجاح السياسات بشكل رئيسي بمؤشرات كمية، بينما تغيب مؤشرات جودة التعليم والابتكار وجودة الخدمات الصحية ورضا المواطن. وفي مجال العدالة الاجتماعية، تعلن الوثيقة التزامها بتقليص الفوارق بين المناطق، لكنها لا تقدم رؤية جديدة للتمييز الإيجابي أو إعادة توزيع الاستثمارات العامة، كما أنها لا تحدد معايير واضحة لتحديد أولويات المناطق الأقل نموا أو آليات ملزمة لضمان توجيه الموارد إليها. كما تكشف الوثيقة عن استمرار مركزية اتخاذ القرار، رغم حديثها عن اللامركزية. وتبقى الدولة الفاعل الرئيسي في معظم السياسات، في حين يبقى دور الجماعات المحلية والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص محدودا أو غير محدد بدقة، وهو ما يتناقض مع مفهوم التنمية التشاركية المعلن في الوثيقة. الخلاصة: يمكن القول إن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل وثيقة ذات طموح سياسي كبير، وتوفر تشخيصا مقبولا لعدد من الإشكاليات التي تواجه تونس، لكنها تعاني من خمس نقاط ضعف رئيسية: * هيمنة الخطابة على البرنامج التنفيذي. * عدم الارتباط بين الأهداف والموارد ومصادر التمويل. * إعادة إنتاج عدد من الخيارات الاقتصادية التقليدية دون مراجعة نقدية للتجارب السابقة. * ضعف آليات المراقبة والتقييم والمساءلة. * استمرار التناقض بين خطاب السيادة الوطنية والاعتماد على الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستثمار الأجنبي كمحرك أساسي للنمو. فضلاً عن ذلك فإن الوثيقة لا تجيب بالقدر الكافي على السؤال الأكثر أهمية: كيف سيتم تمويل الاستثمارات المبرمجة دون تعميق المديونية أو زيادة الضغوط على المالية العامة؟ إن نجاح أي خطة تنموية لا يقاس فقط بطموح أهدافها، بل أيضاً بمدى واقعية افتراضاتها وقدرتها على تحويل الأهداف المعلنة إلى مشاريع يمكن إنجازها ضمن الإمكانيات المتاحة. ولذلك فإن الوثيقة في شكلها الحالي تبدو أقرب إلى إعلان استراتيجي يحدد الاتجاهات الرئيسية، وليس إلى خطة تنفيذية متكاملة تربط بشكل واضح بين الأهداف والموارد والمواعيد النهائية والمسؤوليات وآليات التقييم. إن الرهان الحقيقي لا يكمن في صياغة أهداف طموحة، بل في بناء سياسات عامة قابلة للتنفيذ والقياس والمساءلة. عضو البرلمان محمد علي