تونس – النائب محمد علي: خلل جوهري في مناقشة خطة التنمية 2026-2030

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – النائب محمد علي: خلل جوهري في مناقشة خطة التنمية 2026-2030

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-02 01:48:00

أولاً: لا يمكن مناقشة الخطة خارج سياقها السياسي: لا يمكن أن تمر مناقشة مشروع خطة التنمية 2026-2030 دون وضع الأمور في سياقها السياسي الحقيقي، بعيداً عن الشعارات والخطاب العام الموجه للرأي العام لإقناعه بأن مسؤولية التدهور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الشديد الذي نعيشه من فقر وغلاء وبطالة وجرائم بيئية وتدهور خدمات الصحة والتعليم والنقل وانعدام التنمية والتهميش والعطش لا تتحملها إلا العقود السابقة، في حين أن الحاضر لا يتحمل أي مسؤولية مباشرة ويتجاوز المساءلة والنقد. وبات واضحا أن الخطاب الرسمي في كل تقييم للوضع الاقتصادي والاجتماعي يرتكز على أساس مناسب سياسيا لكنه غير دقيق موضوعيا، ويرتكز على مغالطة كبرى لدى الرأي العام التونسي، وهي أن هذه الاختلالات وهذا التدهور الكارثي هما وحدهما المسؤولان عن تراكمات سياسات استمرت عقودا من الزمن، مع تجاهل غريب لتأثير سبع سنوات كاملة من الحكم الفعال المباشر. لقد فشلت السلطة الحالية في تحقيق الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لشرائح واسعة من الشعب التونسي، ولم تتمكن من تحقيق مطالبها الحقيقية والحيوية. لا نستطيع أن نناقش اليوم خطة تنموية جديدة وكأننا أمام بداية جديدة من الصفر، أو كما لو أن التجربة السياسية والاقتصادية التي اكتسبناها خلال الأعوام السبعة الماضية لم تكن كافية للخروج بنتيجة قابلة للتقييم. بعد سبع سنوات من إدارة الشأن العام، أصبح من غير المقبول الاستمرار في المنطق التبريري ومغالطة الرأي العام بشعارات وخطاب عام يعزو التدهور والعجز إلى “إرث قديم” فقط وقضى جمل من عقود من الظلام والدولة العميقة والعقود السوداء للتهرب من المسؤولية وتبرير العجز والفشل، في حين أن كل ما حدث خلال فترة حكم بكامل عناصره وصلاحياته لمدة 07 سنوات له سياساته وقراراته واختياراته وقوانينه المالية ومؤسساته العامة. يتم تجاوز السلطات. وأدوات تنفيذها. ثانيا: خلل شكلي يضعف جدية النقاش البرلماني: لا يقتصر الإشكال على مضمون مشروع الخطة فحسب، بل يشمل أيضا طريقة إجراء النقاش داخل البرلمان، وهو ما يطرح تساؤلات كبيرة حول مدى جدية السلطة التنفيذية ومدى الأهمية التي يوليها هذا الاستحقاق الوطني، الذي اعتبره رئيس البرلمان وعضو الحكومة حدثا تاريخيا غير مسبوق في تاريخ التخطيط الاقتصادي والتنموي منذ قيام الدولة التونسية. واقتصرت مناقشة مشروع خطة التنمية على قاعة راضية الحداد، بدلا من تنظيمها في قاعة الجلسات العامة، رغم أن الأمر كان يتعلق بالوثيقة التي كان من المفترض أن تحدد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال السنوات الخمس المقبلة. ولم يكن هذا الاختيار مجرد مسألة تنظيمية، بل كان له أثر مباشر على مستوى الحضور والتفاعل، فحولها إلى جلسات شبه سرية بعيدة عن الإعلاميين والصحفيين، الذين كان حضورهم ضعيفا بسبب طريقة ومكان إجراء النقاش، حيث انعكست محدودية القاعة في عدد الممثلين المشاركين، وأضعفت الزخم السياسي والإعلامي الذي من المفترض أن يصاحب مناقشة وثيقة التخطيط الأهم في البلاد، والتي كان تسويقها شريان الحياة للشعب التونسي للقطيعة مع العجز والفشل. ونظرا لرمزية القاعة العامة كفضاء للنقاش الوطني الشامل والواسع والمفتوح للرأي العام، كان لا بد من احتضان هذا النقاش، ليعكس حجم الرهان الوطني المتعلق بمستقبل التنمية في تونس أمام وسائل الإعلام والتونسيين الذين عانوا من ضيق النقاش ومناقشات الغرف شبه المغلقة والمظلمة. ثالثاً: المقاطعات والغيابات التي تعكس ضعف الاهتمام بالخطة: رافقت هذه الاختيارات التنظيمية مقاطعة لافتة لأعمال مناقشة الخطة. أعلنت كتلة “ليكن الشعب ينتصر” مقاطعتها رسميا للجلسات ومنعت من إبداء رأيها بقرار من رئيس مجلس النواب وحرمتها من حقها في مؤتمر صحفي لشرح أسباب مقاطعتها، فيما عبر نواب آخرون عن موقفهم بطريقة غير معلنة من خلال الغياب المتكرر عن الجلسات التي رأوا فيها مجرد فلكلور برلماني لن يغير سياسة الأمر الواقع التي تفرضها السلطة التنفيذية، طبعا مع موافقة رئيس مجلس النواب على المرور التلقائي للموافقة على الخطة دون زيادة أو نقصاناً، وتحسباً لما قد يحدث. وهذا ما حدث أيضاً مع قانون المالية لعام 2026. وبغض النظر عن دوافع هذه المواقف، فإنها تعكس حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن مشروع خطة التنمية لم ينجح في جذب الاهتمام السياسي الذي كان من المفترض أن يحظى به باعتباره الوثيقة التي سترسم السياسات العامة خلال السنوات الخمس المقبلة. ولو كانت السلطة اعتبرت الخطة أولوية وطنية حقيقية لوفرت كل الظروف السياسية والتنظيمية لضمان أوسع مشاركة ممكنة، وتحويل النقاش إلى محطة وطنية كبرى، وليس إلى جلسات شبه مظلمة لا علاقة لها بالرأي العام، وحضور وتفاعل محدود، والمعلومات حول النقاش شحيحة للغاية باستثناء ما سجله بعض النواب عبر وسائل فردية على الفيسبوك، وكأنه تهريب للخطة من النقد إلى الموافقة الشعبية التي يفرضها الدستور. رابعاً: عشر جلسات لبحث المستقبل الخمسي: ويتعزز هذا الانطباع عندما نلاحظ أن البرلمان خصص عشر جلسات مشتركة فقط ضمت لجاناً نيابية مختلفة لمناقشة مشروع خطة التنمية. ومن الصعب اعتبار هذه المساحة الزمنية المحدودة كافية لدراسة وثيقة تتضمن عشرات المحاور والبرامج والمؤشرات والفرضيات الاقتصادية والمالية، وترسم مستقبل البلاد لمدة خمس سنوات. وتقليص هذا الاستحقاق الوطني إلى عشر جلسات فقط لا يعكس رغبة في المناقشة والتعديل والإثراء، بقدر ما يعكس رغبة في استكمال المسار الإجرائي للإقرار في أقصر وقت ممكن. فالتخطيط التنموي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو من أهم القرارات السياسية التي تتخذها الدولة، وكان يتطلب جلسات مطولة، والاستماع إلى الخبراء، وفتح المجال لمختلف المقترحات والبدائل. خامساً: الجلسات التي غلب عليها إعادة عرض الوثائق: طبيعة العمل بدورها لم تساعد على تحقيق نقاش حقيقي. وكانت الجلسات عبارة عن إعادة قراءة سردية لمحتوى وثائق الخطة المتاحة بالفعل للممثلين، وليس مساحة لمناقشة فرضياتها واختياراتها. وكانت الأسئلة الأساسية المتعلقة بواقعية الأهداف ومصادر التمويل وآليات التنفيذ ومؤشرات الرصد والتقييم والبدائل الاقتصادية المحتملة غائبة إلى حد كبير. وهكذا فقدت الجلسات إحدى أهم وظائفها، وهي مساءلة السلطة التنفيذية وإخضاع سياساتها للنقاش والتدقيق، لتتحول في جزء كبير منها إلى عرض وصفي لمضمون الوثائق. سادسا: سبع سنوات من الحكم تفرض المساءلة: ما نراه اليوم هو نوع من الدهاء السياسي غير المقبول لدى الرأي العام. في كل مرة يتم تقديم الماضي البعيد على أنه السبب الوحيد للأزمة، في حين يتم التهرب من المساءلة عن السياسات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة، رغم أنها كانت كافية وقتيا ومؤسسيا لإحداث التغيير إذا كانت الخيارات المعتمدة فعالة ولم تفشل. بعد سبع سنوات من إدارة الشأن العام، لم يعد مقبولاً سياسياً أن يستمر الخطاب الرسمي في التعامل مع السلطة وكأنها لا تزال في بداية التجربة أو في مرحلة ما. انتقالية. ولكل مرحلة من مراحل الحكم مسؤوليتها الخاصة، ولكل سلطة نتائجها التي يجب أن تخضع للتقييم، بعيداً عن منطق الإحالة الدائمة إلى الماضي. سابعا: خطاب جديد.. وسياسات قديمة: والأخطر من ذلك هو أن الخطاب السياسي الحالي يستخدم لإعادة إنتاج الخيارات الاقتصادية نفسها تقريبا، لكن بمفردات جديدة. فنحن نسمع عن “الغربة”، و”الدولة الاجتماعية”، و”السيادة الاقتصادية”، بينما في الواقع تستمر نفس الأسس الأساسية، من خلال الاعتماد المستمر على الاستثمار الخاص، والاستثمار الأجنبي، وآليات السوق، من دون مراجعة جذرية لنظام توزيع الثروة أو دور الدولة في الاقتصاد. وهكذا يصبح الاختلاف على مستوى الخطاب أكثر منه على مستوى السياسات. ثامناً: أين النتائج؟ وفي ملفات التشغيل والعدالة الجهوية والمالية العامة، لا يمكن القول إن المؤشرات الأساسية شهدت تحولا جذريا خلال السنوات السبع الماضية. ورغم اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية واتساع أدوات اتخاذ القرار، إلا أن أغلب الاختلالات الهيكلية لا تزال قائمة، بل تفاقمت في كافة المجالات تقريبا، وعمم الفشل في مفاصل المجتمع. ولذلك فإن المشكلة لا تتعلق بالإرث التاريخي وحده، بل أيضاً بالخيارات والسياسات العامة التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة ولم تحقق النتائج التي بنيت عليها الوعود الرسمية. تاسعا: المساءلة أساس أي تخطيط جدي: إن استمرار الخطاب الذي يحمل الماضي كامل المسؤولية، ويُعفي الحاضر من المساءلة، لم يعد مقبولا لا سياسيا ولا ديمقراطيا. إن جوهر المساءلة في السياسات العامة هو أن كل فترة حكم تقاس بنتائجها، وليس بشعاراتها، ولا بنواياها، ولا بخطاباتها. واليوم، وبعد سبع سنوات من الحكم، تبقى الأسئلة الأساسية قائمة: ما الذي تغير فعلياً في بنية الاقتصاد التونسي؟ ما الذي تم تحقيقه في مجال التوظيف؟ أين وصلت العدالة الإقليمية؟ كيف تطور نظام توزيع الثروة؟ ما هي الإصلاحات الهيكلية التي تم إنجازها بالفعل؟ وإذا كانت الاختلالات الأساسية لا تزال قائمة، بل وتفاقمت في بعض جوانبها، فمن الطبيعي أن يتم طرح المسؤولية السياسية المباشرة عن ذلك، بدلاً من الرجوع بشكل شبه حصري إلى العقود السابقة. كما أن الطريقة التي جرت بها المناقشة البرلمانية حول الخطة، من تضييق مساحة المناقشة وضعف الحضور واقتصار العمل على أربع جلسات، وتحول جزء كبير منها إلى إعادة قراءة للوثائق، تعزز الانطباع بأن المطلوب هو استكمال إجراءات المصادقة أكثر من فتح نقاش وطني حقيقي حول مستقبل التنمية في تونس. إن أي نقاش جدي حول خطة التنمية لا يمكن أن يبدأ من تجاوز نتائج السنوات السبع الماضية، ولا من تقليص دور البرلمان في الموافقة الرسمية على وثيقة حكومية. إن نجاح التخطيط التنموي يتطلب، أولاً، تقييماً موضوعياً وصريحاً للسياسات العامة التي تم تنفيذها، وثانياً، نقاشاً برلمانياً واسعاً وعميقاً يرقى إلى مستوى أهمية الوثيقة، ويتيح التشكيك في الخيارات الحكومية وتعديلها وإثرائها. أما مجرد إعادة إنتاج خطاب يحمل الماضي المسؤولية الكاملة، وإجراء نقاشات سريعة بمشاركة محدودة، فهو لا يؤسس لخطة تنموية جديدة، بقدر ما يعيد إنتاج نفس الأساليب التي حالت دون تحقيق التنمية المنشودة.