اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-02 22:00:00
قد تكون نواكشوط واحدة من المدن القليلة في العالم التي يقاس فيها نجاح سياسة النظافة بوزن القمامة المنقولة، وليس بمستوى نظافة المدينة نفسها. عندما تصبح الأطنان التي تفرغها الشاحنات في المكب الرئيسي أكثر أهمية من مظهر الشوارع ونظافة الأحياء واختفاء المكبات العشوائية، فإننا لا نواجه خللاً في التنفيذ فحسب، بل نواجه خللاً أعمق في فلسفة الفكر التنموي نفسه. وتلخص هذه المفارقة، إلى حد كبير، إحدى أكبر المعضلات التي تواجه التنمية في موريتانيا: غياب الحس الاستراتيجي في اتخاذ القرار. ومن يستمع إلى الخطابات الرسمية المصاحبة لبرامج التنمية الكبرى، وما تحمله من أعداد ضخمة وطموحات واسعة، ثم يقارن ذلك بحجم التحولات الفعلية التي يعيشها المواطنون في حياتهم اليومية، يدرك أن المشكلة لا تكمن دائما في قلة الموارد، ولا حتى في ضعف التنفيذ وحده، بل في غياب رؤية قادرة على فهم مشاكل التنمية كظواهر معقدة تتطلب حلولا استراتيجية طويلة الأمد، وليس تدابير ظرفية وموسمية. ولعل مسألة النظافة الحضرية في نواكشوط، وفي المدن الموريتانية عموما، تقدم أوضح مثال على هذا الخلل البنيوي. على الرغم من عقود من الإنفاق والتعاقد والحملات المتكررة، تظل القمامة والتلوث البصري وتدهور الفضاء العام جزءًا ثابتًا من المشهد الحضري. وليس ذلك لأن البلد يفتقر بالضرورة إلى الإمكانيات، بل لأننا ما زلنا نتعامل مع النظافة باعتبارها مجرد خدمة جمع النفايات، في حين أنها في الواقع مسألة حضارية وثقافية وتعليمية وقانونية ومؤسسية بالدرجة الأولى. المدينة النظيفة لا تبنى بالشاحنات وحدها، بل تبنى برؤية شاملة تبدأ من المدرسة، وتمر بالقانون، وتنتهي بالمجتمع ومؤسسات الدولة. وقبل أن نسأل عن عدد الشاحنات التي اشتريناها، علينا أن نسأل: هل نجحنا في بناء مواطنة تحترم الفضاء العام؟ فهل نجحنا في بناء مؤسسات قادرة على فرض احترامها؟ وفي هذا السياق يظهر مثال واضح جداً على غياب التفكير الاستراتيجي في إدارة ملف النظافة. تعاقدت الدولة مع شركة أجنبية مكلفة بتنظيف العاصمة، لكن فلسفة التقييم والمحاسبة تبدو، في جوهرها، مرتبطة بكمية النفايات التي تنقلها الشاحنات إلى المكب الرئيسي، وليس بالنتيجة النهائية لتنظيف العاصمة وتحسين مظهرها الحضري. وهنا يكمن جوهر المشكلة. عملياً، الدولة لا تشتري «رأس المال النظيف»، بل تشتري «أطنان النفايات المنقولة». وهناك فرق كبير بين الأمرين. ليس المهم عدد الشاحنات التي دخلت المكب، ولا الأوزان التي تسجلها موازينه، بل شكل المدينة، ونظافة شوارعها، واختفاء مكباتها العشوائية، وتحسن فضاءها العام، ومدى شعور المواطن والزائر بأنهم يعيشون في مدينة تحترم نفسها. الدول التي نجحت في إدارة مدنها لم تعتمد مؤشرات أداء تعتمد على وزن النفايات، بل على قياس النتائج: كم عدد الأحياء التي أصبحت نظيفة؟ كم عدد النقاط السوداء التي اختفت؟ ما مدى رضا السكان؟ ما هو مستوى النظافة الفعلي الذي يراه الناس بأم أعينهم؟ إن التنمية لا تقاس بحجم الجهد المبذول، ولا بحجم الإنفاق، بل بالنتائج المتحققة على أرض الواقع. ولذلك فإن أي استراتيجية وطنية جادة للنظافة الحضرية يجب أن تبدأ أولاً بإصلاح الإنسان قبل إصلاح الشارع. لا يمكن بناء المدن النظيفة بأجيال لم تتلق أي تعليم منهجي في احترام الفضاء العام. ومن هنا ضرورة إدراج التربية البيئية والمواطنة المدنية ضمن المناهج المدرسية، وتخصيص أنشطة مدرسية دورية للنظافة، وإنشاء نوادي بيئية، وتحويل النظافة إلى قيمة اجتماعية وثقافية راسخة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن النظافة الحضرية دون الحديث عن هيبة القانون. النظافة ليست فضيلة أخلاقية فحسب، بل هي أيضًا نظام عام. ولذلك فإن سن قوانين صارمة وفعالة تجرم رمي النفايات وإلقاء مخلفات البناء والتسبب في التلوث البصري والبيئي، مع تطبيقها بحزم ودون تمييز، يمثل شرطا أساسيا لأي تحول حقيقي. وهذا يسلط الضوء أيضًا على أهمية تعزيز الشرطة البيئية، التي يجب أن تتحول من هيئة ذات حضور محدود إلى إحدى أهم أدوات الدولة في إنفاذ النظام البيئي. وهذا يتطلب دعمها بالموارد البشرية واللوجستية، وتوسيع انتشارها في المحاور الرئيسية للمدن والأسواق ومحطات النقل والأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، مع تزويدها بوسائل الرقابة الحديثة، ومنحها صلاحيات تنفيذية فعالة، وإنشاء شبكات من المراقبين البيئيين المحليين بالتنسيق مع البلديات والمجتمع المدني. يتطلب نجاح أي سياسة نظافة توفير البنية التحتية اللازمة لاحترام القانون. لا معنى لمنع التبول في الأماكن العامة في ظل غياب المراحيض العامة، ولا معنى لمطالبة المواطنين بعدم رمي النفايات في ظل عدم وجود نقاط تجميع، ولا معنى للحديث عن بيئة عمرانية صحية في ظل التوسع العمراني غير المنظم. ومن المهم أيضاً إعادة تحديد دور البلديات، بحيث تتحول من مجرد وكالات جمع القمامة إلى مؤسسات لإدارة الفضاء الحضري والسلوك المدني، من خلال إنشاء مراصد نظافة محلية، وإشراك لجان الأحياء، واعتماد مؤشرات أداء قابلة للقياس والنشر الدوري. كما أثبتت التجارب الدولية الناجحة أن النفايات يمكن تحويلها من عبء مالي إلى فرصة اقتصادية، من خلال دعم إعادة التدوير، وتشجيع المبادرات المحلية، وخلق حوافز اقتصادية تجعل الحفاظ على البيئة مصلحة جماعية، وليس مجرد واجب قانوني. الدول لا تصبح نظيفة لأنها خصصت ميزانيات أكبر، ولا لأنها تعاقدت مع شركات أكثر، ولا لأنها اشترت المزيد من شاحنات القمامة، ولكن لأنها امتلكت رؤية استراتيجية، وبنت مؤسسات فعالة، وربت أجيالا تحترم الفضاء العام، وفرضت القانون على الجميع دون استثناء. ولعل هذه هي المعضلة التنموية الأكبر في موريتانيا: أننا لا نزال نقيس نجاح السياسات بمقدار الأموال المنفقة، وعدد الشاحنات التي تحركت، والأطنان التي تم نقلها، في حين أن المعيار الحقيقي لأي سياسة ناجحة يظل دائما أبسط وأكثر صرامة: هل تغير واقع الناس حقا؟ هل مدننا أفضل مما كانت عليه؟




