فلسطين – 17 مليار شيكل في الخزينة.. عندما تتحول السيولة إلى أزمة سيادة اقتصادية بقلم الدكتور عماد علي السعدي

اخبار فلسطينمنذ ساعتينآخر تحديث :
فلسطين – 17 مليار شيكل في الخزينة.. عندما تتحول السيولة إلى أزمة سيادة اقتصادية بقلم الدكتور عماد علي السعدي

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-02 17:42:00

إن أخطر ما يواجه الاقتصاد الفلسطيني اليوم ليس نقص الأموال.. بل تحول الأموال نفسها إلى أزمة”. وهذه ليست عبارة بناءة، بل هي وصف دقيق لأحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني في هذه المرحلة. وفي الوقت الذي تبذل فيه الاقتصادات جهودا لزيادة السيولة وتحفيز الاستثمار، يعيش الاقتصاد الفلسطيني مفارقة نادرة: الأموال تتراكم داخل خزائن البنوك حتى تتجاوز قيمتها 17 مليار شيكل، في حين أن القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل لا تسمح إلا بإطلاق نحو 4.5 مليار شيقل كل ثلاثة أشهر، وهو ما حول وفرة النقد من مصدر قوة إلى مصدر قلق اقتصادي. قد يظن البعض أن هذه أزمة مصرفية تخص البنوك وحدها، لكن الحقيقة هي أنها أزمة تمس كل مواطن فلسطيني، كما تؤثر على التاجر الذي يعتمد على الودائع اليومية، والمستثمر الذي يحتاج إلى دورة نقدية مستقرة، والشركات التي تدير التزاماتها المالية، والاقتصاد الوطني برمته. إنها ليست أزمة مصرفية… بل أزمة نظام نقدي. ومن المهم منذ البداية تصحيح مفهوم مشترك، فالأزمة الحالية لا تعكس ضعفا في النظام المصرفي الفلسطيني، ولا قصورا في أداء سلطة النقد الفلسطينية أو جمعية البنوك في فلسطين، بل هي نتيجة مباشرة للقيود المفروضة على حركة فائض الشيكل، في ظل اقتصاد يعتمد على عملة لا يصدرها ولا يتحكم في تدفقها عبر الحدود. لقد أثبت القطاع المصرفي الفلسطيني، على مر العقود، متانة عالية وكفاءة تشغيلية متميزة، حتى في أصعب الظروف السياسية والاقتصادية. كما واصلت سلطة النقد الفلسطينية أداء دورها الرقابي والتنظيمي للحفاظ على الاستقرار المالي، فيما لعب اتحاد المصارف الفلسطينية دورا محوريا في تمثيل البنوك العاملة في فلسطين وتوحيد مواقفها، والتواصل مع مختلف الجهات المحلية والدولية لإيجاد حلول لهذه الأزمة. كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ ويعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الشيكل باعتباره العملة الرئيسية للتداول، وتدخل كميات كبيرة منه إلى السوق الفلسطينية يوميا نتيجة التبادل التجاري ورواتب العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل. في الظروف العادية، تقوم البنوك بجمع الفائض بالشيكل وشحنه مرة أخرى إلى البنوك الإسرائيلية. لكن القيود المفروضة على هذه العملية أدت إلى خلل واضح بين حجم النقد الداخل إلى السوق وحجم النقد المسموح بإخراجه، وبالتالي الكميات المتراكمة في خزائن البنوك. واليوم، ومع تجاوز قيمة النقد المتراكم 17 مليار شيكل، أصبحت الأزمة تحدياً تشغيلياً ومالياً حقيقياً، يفرض تكاليف إضافية للتخزين والحماية والنقل، ويؤثر على كفاءة إدارة السيولة داخل الجهاز المصرفي. عندما تصبح السيولة عبئا، في الاقتصاد، السيولة هي من أهم عوامل النمو، ولكن بشرط أن تكون متحركة، ولكن عندما يبقى المال محبوسا في خزائن، فإنه يتحول إلى رأس مال خامل، وكل شيكل لا يدور في الاقتصاد يعني فرصة استثمارية ضائعة، أو مشروع مؤجل، أو نشاط اقتصادي. فالأقل كفاءة، والاحتفاظ بمبالغ نقدية كبيرة يرفع تكاليف التشغيل، ويزيد المخاطر الأمنية، ويحد من مرونة إدارة السيولة، على الرغم من استمرار البنوك في الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. أرقام تستحق التوقف عندها: عندما نتحدث عن أكثر من 17 مليار شيكل متراكمة داخل خزائن البنوك، فإننا لا نتحدث عن رقم مجرد، بل عن سيولة تعادل مليارات الدولارات التي بقيت خارج الدورة الاقتصادية العادية. في المقابل، فإن الكميات المسموح بشحنها لا تتجاوز 4.5 مليار شيكل كل ثلاثة أشهر، مما يخلق فجوة متزايدة بين التدفقات والقدرة. ومن الإنصاف التأكيد على أن سلطة النقد الفلسطينية وجمعية البنوك في فلسطين لم تبقى مكتوفة الأيدي أمام هذه الأزمة. وعملت سلطة النقد على إدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار المالي، فيما كثفت جمعية البنوك اتصالاتها مع المؤسسات المالية الدولية، بما فيها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إضافة إلى شركاء دوليين آخرين، بهدف لفت الانتباه إلى خطورة الأزمة والسعي إلى إيجاد حلول عملية لها. وتضمن هذه الجهود استمرار العمل الطبيعي للقطاع المصرفي، وتعكس هذه الجهود وعيا واضحا بأن القضية لم تعد مجرد مسألة مصرفية، بل أصبحت قضية تمس استقرار الاقتصاد الفلسطيني برمته. أين ينبغي توجيه الجهود؟ ومن المؤسف أن بعض الانتقادات توجه أحياناً نحو البنوك الفلسطينية، في حين تشير الحقائق إلى أن أصل المشكلة يقع خارج نطاق صلاحياتها. ولا يتحكم القطاع المصرفي في سقوف تحصيل الشيكل الزائد، ولا يملك صلاحية تغيير الإجراءات المنظمة لذلك. لذلك فإن أي جهد رسمي أو إعلامي أو شعبي يسعى لمعالجة هذه الأزمة يجب أن يركز على إزالة القيود المفروضة على حركة فائض الشيكل، باعتباره السبب الرئيسي لتفاقم المشكلة، فبدلاً من تحميل المؤسسات الفلسطينية مسؤولية الأزمة التي تعمل يومياً على احتواء آثارها، فإن الأمر أجدى من توجيهها نحو المؤسسات الوطنية التي تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على الاستقرار المالي في الظروف الاستثنائية. ماذا بعد؟ وتحمل الأزمة الحالية رسالة مهمة، وهي أن الاقتصاد الذي يعتمد على عملة لا يملك سلطة إصدارها أو إدارتها، سيظل عرضة لمثل هذه الاختناقات. ومن ثم، فإن الحلول يجب أن تسير في طريقين متوازيين. المسار الأول هو مواصلة الجهود السياسية والفنية لإزالة القيود المفروضة على تحويل فائض الشيكل وضمان التدفق الطبيعي للدورة النقدية. والثاني، التوسع في طرق الدفع الإلكتروني، وتعزيز استخدام العملات الأخرى في بعض المعاملات، وتطوير البنية المالية بما يقلل الاعتماد على النقود الورقية. إلا أن هذه الإجراءات، على أهميتها، تظل حلولا داعمة، في حين أن الحل الجذري يكمن في تمكين الاقتصاد الفلسطيني من إدارة أدواته النقدية بطريقة أكثر استقلالية. كلمة أخيرة: أزمة اكتناز الشيكل تكشف حقيقة اقتصادية لا ينبغي تجاهلها، وهي أن قوة القطاع المصرفي وحدها، مهما عظمت، لا تكفي إذا كانت البيئة التي توجد فيها… أثبتت سلطة النقد الفلسطينية وجمعية البنوك في فلسطين والقطاع المصرفي الفلسطيني كفاءة عالية في إدارة الأزمة والحد من آثارها، لكن استمرار تراكم النقد يؤكد أن المشكلة ليست في كفاءة الإدارة، بل في القيود التي تعيق الحركة الطبيعية للأموال. لا تقاس الاقتصادات بكمية السيولة التي تمتلكها فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك السيولة بحرية وكفاءة، وعندما تصبح العملة المتداولة عبئا على الاقتصاد بدلا من أن تكون محركا له، لم تعد القضية أزمة نقدية عابرة، بل قضية سيادة اقتصادية تستحق أن تكون على رأس أولويات صانع القرار، وأن تحظى باهتمام الرأي العام، لأن استقرار النظام المالي الفلسطيني ليس مصلحة للقطاع المصرفي وحده، بل مصلحة وطنية تمس مستقبل فلسطين. الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.

اخبار فلسطين لان

17 مليار شيكل في الخزينة.. عندما تتحول السيولة إلى أزمة سيادة اقتصادية بقلم الدكتور عماد علي السعدي

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#مليار #شيكل #في #الخزينة. #عندما #تتحول #السيولة #إلى #أزمة #سيادة #اقتصادية #بقلم #الدكتور #عماد #علي #السعدي

المصدر – PNN