اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-12 13:56:00
ستة عقود مضت على انطلاق الدورات الأولى لمهرجان الحمامات الدولي، ظل خلالها هذا الحدث الثقافي العريق فضاء واسعا تلتقي فيه الثقافة بجمهورها، وتستعيد المدينة إيقاعاتها الفنية كل صيف. وحافظ المهرجان، في احتفاله بعامه الستين تحت شعار «تعيش الذاكرة»، على أحد تقاليده العريقة بإيقاد شمعته الستين بفن المسرح الذي ظل ملازما لهذه التظاهرة وكان أول من اعتلى خشبته منذ تأسيسه. الموعد هذه المرة مع مسرحية «الهاربون» تأليف وإخراج وسينوغرافيا وفاء الطبوبي. افتتحت «الهاربون» فعاليات الدورة الـ60 لمهرجان الحمامات الدولي، مساء أمس 11 يوليو 2026، أمام جمهور تابع باهتمام تفاصيل هذه المسرحية، وهي إنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة الأسطورة للإنتاج، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية. سبق لهذا العمل أن فاز بالجوائز الأولى في مهرجان المسرح العربي (2026)، وأيام قرطاج المسرحية (2025)، والمهرجان الوطني للمسرح التونسي (2025). وجمع العرض فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصابرين عمر، ومحمد بوزيد، الذين جسدوا ست شخصيات تتقاطع مصائرها داخل فضاء غامض يشبه محطة انتظار معلقة خارج الزمن. تبدأ أحداث المسرحية بلقاء خمس نساء ورجل ينتظرون شيئًا لا يأتي. لكن هذا الانتظار سرعان ما يتحول إلى استعارة لحالة إنسانية أوسع تتشابك فيها مشاعر الخوف والخسارة والبحث عن المعنى. ومع تطور الأحداث يصبح المكان فضاءً مفتوحاً لتساؤلات الوجود والهوية والمصير، وتواجه الشخصيات نفسها بقدر ما تواجه واقعاً يثقلها بالقلق والهشاشة. اعتمدت وفاء الطبوبي على سينوغرافيا غنية بالرموز واعتمدت بالدرجة الأولى على الإضاءة التي كانت عنصرا أساسيا في بناء المعنى وتحولت إلى لغة بصرية تعكس التشظي الداخلي للشخصيات. أما مسرحية الممثلين وحركاتهم داخل الفضاء المسرحي، فقد عززت الشعور بالخسارة والبحث الدائم عن مخرج. وحافظ العرض، الذي استمر نحو 90 دقيقة، على إيقاع تدريجي صاعد يتنقل بين الهدوء والتوتر، وبين المواجهة والتأمل. استمد «الهاربون» شخصياته من الواقع الاجتماعي، وأخرج على الساحة عاملة نظافة مسنة، ونائبة أستاذ تعيش في هشاشة مهنية، وخريجة حقوق لم تتمكن من تحقيق حلمها بممارسة المحاماة، وخياطة تواجه الاستغلال، وامرأة تكسب عيشها من جمع الزجاجات البلاستيكية، إلى جانب شاب يلاحقه القضاء بسبب النفقة. وعلى الرغم من اختلاف خلفياتهم، إلا أنهم جميعا يشتركون في الشعور بالتهميش وفقدان الاستقرار، بحيث تصبح قصصهم الفردية صورة لواقع اجتماعي أوسع. ويتطرق العرض من خلال هذه الشخصيات إلى قضايا الفقر والهشاشة والعدالة الاجتماعية وتفكك العلاقات الإنسانية. كما ينقل، بلغة رمزية، إشارات إلى التحولات التي شهدها المجتمع التونسي خلال السنوات التي تلت الثورة. ورغم الأجواء الكئيبة التي خيمت على معظم مشاهد المسرحية، إلا أن نهايتها تركت نافذة مفتوحة للأمل. تدرك الشخصيات، بعد رحلة طويلة من الخوف والتيه والضياع، أن الخلاص لا يمكن أن يكون فردياً، وأن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا جماعياً، ويبدأ بخطوة نحو الآخر في رسالة تجعل الجمهور شريكاً في استكمال القصة بعد إسدال الستار على العرض. وفي المؤتمر الصحافي الذي أعقب العرض، أكدت وفاء الطبوبي أن الأمل يبقى المحرك الأساسي لتجربتها المسرحية. وأضافت أن نهاية «الهاربون» لا تمثل خاتمة مغلقة، إذ تنقل مسؤولية استكمال القصة إلى الجمهور، معتبرة أن الشخصيات التي تقف في نهاية العرض «تنتظر المتفرج»، وأن الضوء المنبعث خارج المسرح يرمز إلى انتقال المسرحية من المسرح إلى الحياة، حيث يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن أن يكون الغد أفضل؟ وأوضحت أن “الصندوق” الذي تدور فيه الأحداث ليس سوى “صندوق نفسي” يحمله كل إنسان بداخله، بما يختزنه من مخاوف وتساؤلات وقلق بشأن المستقبل. وأضافت أن المسرحية لا تتناول الواقع التونسي فحسب، بل تنطلق من أسئلة إنسانية أوسع في عالم يشهد تصاعد العنف وتآكل القيم وتزايد شعور الإنسان بالغربة داخل نظام يدفعه إلى الإرهاق الدائم. كما تطرقت إلى الظروف التي صاحبت عرض الافتتاح، مشيرة إلى أن النسمات التي هبت على خشبة المسرح في الحمامات، كانت متناغمة مع الحالة النفسية للشخصيات، رغم التحديات التي فرضتها على مستوى أداء الممثلين على المسرح. تستمر فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي مساء الأحد 12 يوليو 2026، حيث يلتقي الجمهور بالفنان التونسي العالمي ظافر يوسف للاستمتاع بعرضه الغنائي الجديد “شيراز”، الذي يواصل من خلاله استكشاف مساحات جديدة في مزج موسيقى الجاز والموسيقى العربية والنغمات الصوفية.



