اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-15 15:30:00
قبل اكتمال حصار القدس الذي أدى إلى سقوط المدينة خلال الحملة الصليبية الأولى، كان الجنود يسيرون حفاة حول أسوار المدينة لمدة سبعة أيام، وهم يرددون الترانيم الدينية. حدث ذلك في 15 يوليو 1099، أي قبل شهر من سقوط القدس، عندما أمر غودفري دي بوالون، أحد أبرز قادة هذه الحملة الصليبية، بناءً على نصيحة أحد الكهنة، جنوده بالسير حفاة حول المدينة لمدة سبعة أيام وهم يغنون بحماسة دينية غامرة. واعتقد قادة الحملة الصليبية الأولى أن ذلك سيؤدي إلى انهيار أسوار القدس، كما فعل بنو إسرائيل في العهد القديم عندما اقتحموا أريحا. إلا أن ذلك لم يتحقق، وبعد مرور سبعة أيام ظلت أسوار القدس صامدة، فأمر جودفري الذي وجد نفسه في موقف حرج جنوده بصنع معدات عملية للحصار. ويذكر المؤرخون أن كلا الطرفين شنا حربا نفسية على الآخر، ورد الصليبيون على التراب الذي ألقاه المسلمون بإلقاء رؤوس الأسرى المسلمين إلى داخل المدينة. شهدت عملية اقتحام القدس العديد من الفظائع. وحاول بعض سكان القدس الاحتماء على سطح المسجد الأقصى. في البداية، قام القائدان الصليبيان تانكريد تارانتو وجاستون بيارنا بتوفير الحماية لهم، وقدموا لهم راياتهم كرمز، ولكن بمجرد حلول الصباح، ذبح الصليبيون جميع الناجين. وبعد أن اخترق الصليبيون دفاعات المسلمين، بدأت مذبحة وحشية استمرت عدة أيام، قُتل فيها مسلمون ويهود، وسقط خلالها حتى النساء والأطفال. ويصف المؤرخون المسيحيون والمسلمون مشاهد مروعة لهذه المجازر. وبحسب المؤرخين الغربيين فقد قُتل ما يقرب من عشرة آلاف من السكان، بينما تشير المصادر العربية إلى أرقام أعلى بكثير، وتشير بعض السجلات إلى أن العدد وصل إلى سبعين ألفاً. اتفق الصليبيون، حتى قبل سقوط المدينة، على أن كل مقاتل يستولي على أي شيء يمكنه الاحتفاظ به لنفسه إلى الأبد، ولتحديد الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها، كان الفرسان يعلقون درعًا أو سلاحًا آخر على أبواب الغنائم. وتحدث المؤرخون عن سقوط القدس والمجازر التي وقعت بحق سكانها، مشيرين إلى أن ما حدث اتسم بالتناقضات العميقة والوحشية والعواقب طويلة المدى على العلاقات بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي. إن وحشية الهجوم وما تلا ذلك من تصرفات الصليبيين، بما في ذلك المجازر وطرد رجال الدين وإعادة بناء الأماكن المقدسة أو تهميشها، عززت الصورة العنيفة للصليبيين في التراث الإسلامي. كل هذا أدى أيضًا إلى تعقيد أي محاولات للتعايش السلمي. ويؤكد بنيامين زئيف كيدار، وهو مؤرخ إسرائيلي بارز أجرى دراسات معمقة عن عنف الحروب الصليبية، في كتاباته أن مذبحة القدس كانت “أكثر انتشارا من أي أحداث أخرى مماثلة”. وأشار مؤرخ آخر معاصر، وهو جاي روبنشتاين، إلى أن الصليبيين نظروا إلى الأحداث من منظور مروع، مما مكنهم من تبرير وحشيتهم من خلال مساواة أعداءهم المسلمين بالمسيح الدجال. وقد كتب المؤرخ وعالم الآثار الكندي مايكل فولتون، والباحث المعاصر، باستفاضة عن هذه المجزرة، مشيرًا إلى أنه على الرغم من اتساع نطاق العنف، فإن ما جعل مذبحة القدس استثنائية ليس حجمها، بل أهمية الموقع. ومن شهود العيان، استذكر ريمون أجيلار، وهو رجل دين ومؤرخ فرنسي شارك في الحملة الصليبية الأولى، ما شاهده في منطقة المعبد، قائلا: “كان الناس يركبون خيولهم عبر برك من الدماء، لدرجة أن الدم وصل إلى ما فوق ركبهم ولجم خيولهم”. وكما كتب فولشر، وهو كاهن ومؤرخ فرنسي شارك في الحملة الصليبية الأولى: لو كنت هناك لرأيت “كواحلنا مبللة بدماء الموتى، والشوارع تعج بالرؤوس والأيدي والأقدام، حتى أن بعض الصليبيين ألقوا أعداءهم في النيران”. ورغم أن بعض العلماء، مثل جاي روبنشتاين، زعموا أن الصليبيين في تلك المناسبة الدموية نظروا إلى أعداءهم على أنهم “أضداد للمسيح”، وأن فظائعهم كانت مدفوعة بنظرية دينية متطرفة في نهاية الزمان، تشير تحليلات أخرى إلى أن الروايات الدينية ربما ركزت عمدا على الدوافع الدينية، في حين لا يمكن تجاهل العوامل العلمانية مثل النهب والانتقام أيضا. وتركت هذه الأحداث جروحا عميقة في الذاكرة الجماعية لكلا الطرفين، وأثرت في تكوين الرؤى المتبادلة بين الغرب والشرق لقرون قادمة. ولا يزال الجدل التاريخي حول تفسير دوافع الصليبيين ومدى وحشيتهم مستمرا بين الباحثين المعاصرين، الذين يختلفون في تقييمهم للأسباب الكامنة وراء هذه الفظائع، بين من يركز على العامل المذهبي الديني، ومن يفضل الطموحات المادية والسياسية، ومن يحاول الموازنة بين جميع العوامل في سياقها التاريخي المعقد.


