اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-17 14:34:00
افتتح مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين صفحة جديدة في تاريخه بعرض للفنان التونسي صابر الرباعي بعنوان «تحت الياسمين». ويوازن اختيار الافتتاحية بين الحضور الجماهيري والرهان الفني، وبين الاحتفاء بالذكرى وتقديم عمل يتغنى بالهوية الموسيقية التونسية. بل ويمكننا أن نصف هذه الأمسية بما قاله الفنان صابر الرباعي: «حاولت أن أجمع الماضي والحاضر والمستقبل في حفل يحمل رسالة واضحة، وتمرير شعلة الفن، وإتاحة الفرصة للفنانين الشباب، والاحتفاء بشخصيات فنية عظيمة». منذ اللحظات الأولى، بدا العرض منجذباً إلى فكرة الاحتفال، والاحتفاء بتاريخ المهرجان، والأغنية التونسية، والجمهور الذي ملأ المدرجات قبل بداية السهرة. ووسط تفاعل الجمهور الذي أصبح تصفيقه جزءا من النسيج الموسيقي، بدأ صابر الرباعي أداءه بأغنية «إن شاء الله»، قبل أن يلقي كلمات باللغة العربية الفصحى يضع فيها حفل الافتتاح في سياقه التاريخي. وتنوعت الكلمات بين الفني والتاريخي والإنساني. ولم يختزل الخطاب الدورة الستين إلى رقم، بل كثف رمزيتها على إيقاع الحديث عنها كونها «لحظة وفاء لمن خلقوا هذا المجد من قبلنا ولمن يعلموننا أن الفن رسالة وأن الأغنية الصادقة تعيش أطول من مؤلفيها». وتماشيا مع فلسفة العرض الذي يستضيف عددا من الأصوات التونسية، أكد الربيعي أنه لم يأت ليمثل جيله فقط، بل ليحمل أصوات من سبقه ويمد يده لمن سيأتي بعده، معتبرا أن الفنان الحقيقي لا يبدأ من نفسه، بل يبدأ بمن ألهموه ويتطلع إلى من سيترك أثرا من بعده. ولم يسع الرباعي إلى إثارة إعجاب جمهوري بقدر ما راهن على الموسيقى نفسها، وعلى بناء برنامج يتنوع بين الأعمال التي صنعت شهرته والأغاني الجديدة، مع فواصل تستذكر جانبا من الذاكرة الغنائية التونسية والعربية. وتوالت الأغاني تباعاً بإيقاع مدروس، تنتقل من الرومانسية إلى الطربية، ومن الأغنية التونسية إلى الشرقية، دون أن يشعر المستمع بقطيعة في الخيط الموسيقي الذي ينسجه العرض. على أنغام «تمنيت» و«عز الحبايب» و«أنا عزت نفسي» و«مزيانة»، غازل صابر الرباعي ذاكرة جمهور لم يخذله وكان كالجوقة تردد كلمات أغانيه. ومع ظهور الفنانة ملكة الشارني والفنان أحمد الرباعي، اتضحت ملامح العرض، وتحول مسرح مسرح قرطاج القديم إلى مساحة رمزية التقت تحتها أصوات تنتمي إلى مدارس وأجيال مختلفة. الفنانة ذكرى محمد، كانت حاضرة وغائبة، إذ تزينت الشاشة بصور تفاعلية لها، وابتسامتها تتحدى الرحيل، فيما تعالت أصوات الثلاثي مع كلمات أغاني “العصمي” و”كل من يلومني” و”يوم لك”، وشاركهم الجمهور في استحضار فنانة ستبقى حية إلى الأبد من خلال الإرث الغنائي الذي تركته وراءها. وبعد الاحتفال بالثنائي الذي وصفه بمستقبل الأغنية التونسية، تواصل عرض «تحت الياسمين» بحوار ثنائي بين صابر الرباعي وجمهوره على أنغام «خلاص طرك» و«سعيد الريم» و«طاير» و«شيخ». ومع تكرار الأغاني تظهر على الشاشة فيديوهات تحاكي الكلمات، وترتفع أصوات الجمهور متناغمة مع الموسيقى التي أبدعها موسيقيون بقيادة المايسترو قيس المليتي. ولأن صابر الرباعي اختار ألا يكون وحيدا على المسرح، كان هناك العديد من الضيوف الذين أعطوا العرض أبعادا فنية ورمزية، ولخص الفنان لطفي بوشناق جانبا من تاريخ الأغنية التونسية عندما غنى للراحل الصادق ثريا “علشان يضيق عليك الزمن”. وكانت هذه الأغنية في يوم عربون حب بوشناق لثريا، وقد غنوها معًا في إحدى الحفلات. في جلسة عددها ستين، بدا طبيعيا أن يحضر بوشناق كأحد الأصوات، انسجاما مع ذكرى مهرجان قرطاج، والتقاء جيلين على المسرح، اللذين شكلا، كل على طريقته، ملامح الأغنية التونسية. «أنا هاتك مش عارفين فين» أخذ ملامح أخرى في «دويتو» بين الفنانين، وكان الجمهور طرفاً ثالثاً. وهذا ينطبق أيضاً على أغنية «دلولة»، حيث تقاطعت تجربتان في الكلمة واللحن، واختلفتا في الأسلوب والطابع الفني. وفي خطوة رمزية، تراجع لطفي بوشناق وصابر الرباعي إلى المايسترو قيس المليتي، فيما انفجر صوت الفنانة بثينة النابولي وهي تهتف بكلمات «نصايا»، قبل أن ينضم إليها الفنان محمد علي شبيل بأغنية «يا لالا». وعلى إيقاع لقاء رمزي بين فنانين كتب كل منهما رحلة جعلت شهرته تمتد إلى ما بعد تونس إلى العالم العربي، وفنانين آخرين يعملان على الأغنية التونسية برؤية معاصرة، تدفقت الأغاني التونسية وتجسدت كلمات صابر الرباعي في بداية الحفل “حول تمرير الشعلة من يد إلى يد دون أن تنطفئ”. وفيما تمتزج نغمات الكمان والأكورديون، غنى صابر “سوس لو ياسمين”، الأغنية التي أخذ منها العرض عنوانه، قبل أن يحتفل بفرقته في مقطوعة عزف أبدع فيها جميع الموسيقيين. وفي أداء «تحت الياسمين»، انفتح صابر الرباعي، في افتتاح الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، على الرأي الجزائري باستضافة الشاب خالد الذي غنى «عبد القادر»، والتي تخللتها بدورها أغنية «سيدي منصور» في دويتو أثار حماسة الجمهور. وطوال الحفل الذي انتهى بأغنية «برشا»، حافظ صابر الرباعي على حضوره الراقص الهادئ والواثق، ولم يلجأ إلى المبالغة في الأداء أو الحركة، بل ترك صوته يتصدر الأمسية. ويتحرك نسيجها الصوتي بسهولة بين الطبقات، فيما أعطت الترتيبات الموسيقية للأعمال بعداً أوركسترا حافظ على روحها الأصلية، وأضفت عليها روحاً احتفالية تليق بافتتاح الدورة الستين. أما الجمهور، فلم يكن مجرد متلقي، بل بدا شريكا في خلق اللحظة، حيث تحولت خطوات المسرح العتيق إلى مساحة غنائية جماعية، تكررت فيها كلمات الأغاني، وعاشوا فيها أمسية أعادت ذاكرة المكان بقدر ما قدمت لحظة فنية جديدة، ما يفسر اختيار العرض على أساس الحوار بين التجارب، ويعطي الأغنية التونسية مكانها في قلب الاحتفال.



