اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-10 00:02:00
هناك أسرار في أسرار بعض الكتب، التي تبني لبنات صداقتها مع قارئها منذ صفحاتها الأولى. تنمو فيه مشاعر عميقة، ويتعب من إيجاد الكلمات لوصفها، فيستسلم لها فحسب. هكذا كنت أقرأ سر الزعفران. كنت أسأل نفسي: لماذا تستمر هذه الرواية بالذات في مدح بنية صداقتنا حتى تنتهي فصولها، وينمو حبي لها واستمتاعي بها؟! تنمو الطمأنينة في روحي رغم كل حزن يحيط بـ (نافلة) أو زعفران، وتستمر بدرية البشر في إرواء عطشي بشراب الطمأنينة حتى الصفحة الأخيرة. ولعل السر يكمن في الزاوية التي تطل منها الكاتبة على صدر بطلتها (نافلة) لتنتقي منه الأشياء المخبأة. وحيدًا يظل متجذرًا بعد كل خسارة. إنها تستخدمه لتمنحها القدرة على مواصلة الحياة، وتلقي بكل شيء آخر في سلة الإهمال. ما تريده نافلة بذكائها وانتباهها ليس فقط الاستمرار في الحياة، بل أن تعطي لحياتها معنى يتجدد ويتعمق بعد كل خسارة. إنها تدرك بالفطرة أن الحياة سوف تتحرك للأمام فقط؛ حالة نافلة صورة لحال الوطن السعودية! يقرر والد نافلة، بوعي وطوع، التحرر من الحروب القبلية وغضب الانتقام في بيئة معتادة على حوادث الغزو كركيزة دائمة لحياتها. غزوة اختطفت منه زوجته وأنقذت طفليه. يستيقظ من حزنه ويختار مقاومة الانتقام كشرط للبقاء على قيد الحياة لنفسه ولأبنائه. يشرح انسحابه من طريق المجموعة. بحجة أن لديه خيولاً عهد بها إلى صديق، سيذهب لاستعادتها، بينما في الواقع، كان مسيطراً على عقله ويكتفي بفقدان زوجته حتى الآن. ولتفادي خسائر جديدة، سيعتني بطفليه نافلة وعامر وأعماله. نافلة هي الناجية والراوية. بعد رحلة طويلة، أحضرها والدها وشقيقها إلى القرية، حيث يعيشون ويشاركون حياتهم مع أهلها. وتستقبلها العبد “الزعفرانة” كالأم البديلة، وتراقب نافلة. كيف يمكن لهذه الجارية التي هي كريمة إلى حد السكر أن تكتسب حب أهل القرية بالعلم والطب الذي يرفعها إلى مقام المرأة التي يحتاج الجميع إلى خدماتها، وتراقبها نافلة وتتعلم وتدرب كيف تصبح تلميذتها المتفوقة. نجوم السماء، بنات نعش يبكون على أبيهم، نجم سهيل، والد بران، الثريا والقمر. تنزل عليهم قطرة مطر من أعالي السماء، فتحزن النجوم وتبكي كالبشر، ومثلهم تشعر بالحر والبرد، ومزاجها غير مستقر… وحين تروي عن وباء الجدري وما حصده، فإن وباء الجراد الذي كاد أن يمحو وجودهم، كواقع ربما جاب السعودية في عصر ما، وهو ما يجد القارئ نفسه مضطرا للبحث عنه، وكرمزية لطرح معضلة يصيب البلد نفسه عندما يستيقظ على وباء لا تجدي له طرق العلاج. ولذلك لا بد من اعتماد أساليب متقدمة بما فيه الكفاية للقضاء عليه، وهو ما يبرر إيفاد فرق مدربة، ليس فقط للقضاء على الجراد، بل أيضا لإدماج القرية في نظام الدولة المعاصرة، وصولا إلى أنظمة قوانين الحرية، التي تبدأ بتحرير العبيد، كما شهدت زعفرانة، وتبدأ بتدريب أنفسهم على الحرية، حتى يتم تنظيمهم في منصب حكومي، كرمز أيضا لضرورة مساهمة المرأة في ازدهار النظام الجديد. تذكر الكاتبة زمن أحداث الرواية، ثم أجد في الربع الأخير بضع جمل لم تكتب عشوائيا، تشير لي إلى أن مسؤولية الكاتبة كانت حاضرة في ذهنها، لكنها كانت تنتظر المناسبة لتضمها، عندما يصاب شجاع الشاعر الشجاع اللطيف بمرض قد يقتله وهو في الثالثة والخمسين من عمره. هناك من يتذكر أنه ولد أيام الثورة العرابية في مصر، وأنا القارئ أحسب الأرقام: 1919 زمن الثورة العرابية +53 لتعرف أننا في منتصف السبعينات عندما تقترب الرواية من الاكتمال. وبدأت نساء العاصمة يتخرجن من معهد التربية ويصبحن معلمات، ولم تعد مهنة التدريس مقتصرة على الخريجات اللاتي يتم إرسالهن من الدول العربية الأخرى لتعليم الفتيات في السعودية. وكذلك لم يذكر اسم مكان محدد في الأرض السعودية الواسعة التي تقوم عليها مساحة الرواية. لكن رحلة السيارة التي تقل زعفرانة ونافلة من قريتهما لعلاج نافلة في الرياض تستغرق ساعات للوصول إليها. وهنا يستنتج القارئ أن هذه القرية (بدون اسم) تقع في مكان بعيد جداً عن العاصمة. ولعل الكاتبة أعطت نافلة نضجا وحكمة أكثر مما يمكن أن يتحمله عمرها اثنتي عشرة سنة، وهو ما كان يمكن ذكره بلغة الراوي العليم وليس بلغة الطفلة نافلة. شعرت أن من حق عامر أخي نافلة أن يبرر غيابه عن أخته المكسوة بالحديد بالخسارة، إذ لا معنى للغياب إذا لم يعبر عن حكمته ولو بعد حين… رواية سر الزعفران تنتهي بنهاية سعيدة، والرواية لا تخون قراءها ولا قوانين الحياة أن الألم سيد الدنيا، ورفيقنا من الولادة إلى الموت، فهو ما أعتقد أنه سر الزعفران، الوصفة السحرية لكل سعادة ممكنة؛ إنها طبيعة الحب التي أنجبت الزعفران ونفلة، ورباهما عند كل مفترق، وغذوهما بتعلم كل مهنة زراعة الأرض مع احتمال الخضرة. هناك أسرار في خلطات بعض الكتب تبني أسس صداقتها مع القارئ منذ الصفحات الأولى. تنمو المشاعر العميقة في داخلنا، ويصبح من المرهق العثور على كلمات لوصفها، فيستسلم لها المرء بكل بساطة. وتلك حالتي وأنا أقرأ سر الزعفرانة. وجدت نفسي أسأل: لماذا تستمر هذه الرواية بالذات في الثناء على بنية صداقتنا حتى انتهاء فصولها، ولماذا ينمو حبي لها واستمتاعي بها؟ ينمو السكينة في روحي رغم كل الحزن الذي سقط (نافلة) أو زعفرانة، وتستمر إنسانية بدرية في إرواء عطشي للطمأنينة حتى الصفحة الأخيرة. (نافلة)، تختار جوهرًا منفردًا يترسَّب بعد كل خسارة، وتشكله ليمنحها القدرة على الاستمرار في الحياة، بينما تلقي بكل شيء آخر في سلة الإهمال. ما تريده نافلة بيقظة ووعيها ليس فقط استمرارية الحياة، بل أن تعطي لحياتها معنى يتجدد ويتعمق بعد كل خسارة؛ إنها تدرك غريزيًا أن الحياة لا يمكنها إلا المضي قدمًا؛ وحالة نافلة هي إنعكاس لحال البلد السعودية! يقرر والد نافلة، بوعي وتعمد، أن يحرر نفسه من الحروب القبلية والتعطش للانتقام في بيئة معتادة على حوادث الغزو كعنصر ثابت في حياته. غزو أخذ منه زوجته وترك طفليه، يستيقظ من أعماق حزنه، ويفضل مقاومة الانتقام كشرط للبقاء على قيد الحياة لنفسه ولأبنائه. ويبرر تراجعه عن طريق المجتمع بالادعاء بأن لديه خيولًا عهد بها إلى صديق، وسيذهب لاستعادتها، بينما في الواقع، فقد استسلم لعقله وتقبل فقدان زوجته حتى الآن. ولتفادي خسائر جديدة، سيعتني بأولاده نافلة وعامر وتجارته. نافلة هو الراوي الباقي. وبعد رحلة طويلة، أحضرها والدها وشقيقها إلى القرية، حيث يستقران ويتشاركان حياتهما مع أهلها. تتخذها العبد “زعفرانة” أمًا بديلة، وتلاحظ نافلة كيف تمكنت هذه الجارية، الكريمة إلى حد الإفراط، من كسب حب القرويين من خلال المعرفة والشفاء التي ترتقي بها إلى منزلة سيدة يحتاج الجميع إلى خدماتها، بينما تراقبها نافلة وتتعلم وتتدرب لتصبح تلميذتها الموهوبة. نافلة تؤنس نجوم السماء، والثريا تبكي على أبيها، والنجم سهيل والد بران، والثريا، والقمر. تنزلهم من أعالي السماء، فتحزن النجوم وتبكي مثل البشر، ومثلهم تشعر بالحرارة والبرد، ولا يستقر مزاجها أبدًا. وحين تروي وباء الجدري وحصيلته، ثم طاعون الجراد الذي كاد أن يقضي على وجودهما، كواقع ربما اجتاح السعودية في وقت ما، يجد القارئ نفسه مضطرا للبحث عنه. وكرمز لتقديم المعضلة التي تضرب البلاد نفسها عندما تستيقظ على وباء لا تجدي العلاجات القديمة في مواجهته، لا بد من التحول إلى أساليب أكثر تقدما للقضاء عليه. وهذا ما يبرر وصول فرق مدربة، ليس فقط للقضاء على الجراد، بل أيضًا لدمج القرية في نظام الدولة المعاصر، مما يؤدي إلى إرساء قوانين الحريات، والتي تبدأ بتحرير العبيد، كما تشهد زعفرانة، التي تبدأ بتدريب نفسها على الحرية حتى تحصل على وظيفة حكومية، مما يرمز إلى ضرورة مساهمة المرأة في ازدهار النظام الجديد. لا تحدد الكاتبة زمن أحداث الرواية، لكن في الربع الأخير أجد بعض الجمل التي لم تكتب اعتباطا، تشير لي إلى أن مسؤولية الكاتبة حاضرة في ذهنها، لكنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتضمها، عندما يصاب (شجاع) الشاعر الشجاع اللطيف بمرض ربما قاتل، وهو في الثالثة والخمسين من عمره. يتذكر أحدهم أنه ولد أثناء الثورة العرابية في مصر، وأنا كقارئ أحسب الأرقام: 1919، زمن الثورة العرابية، +53 لأدرك أننا في منتصف السبعينيات مع اقتراب الرواية من نهايتها، عندما تبدأ النساء في العاصمة بالتخرج من معهد التربية والتعليم، ولم تعد مهنة التدريس مقتصرة على مندوبين من الدول العربية الأخرى لتعليم الفتيات في السعودية. تم ذكر أراضي المملكة العربية السعودية كمكان للرواية. إلا أن رحلة السيارة التي تقل زعفرانة ونافلة من قريتهما لعلاج نافلة في الرياض تستغرق ساعات للوصول. وهنا يستنتج القارئ أن هذه القرية غير المسماة تقع في منطقة نائية بعيدة عن العاصمة. ربما يكون الكاتب قد منح نافلة نضجًا وحكمة أكثر مما يتوقعه المرء من طفل يبلغ من العمر اثني عشر عامًا، وهو ما كان من الممكن نقله من خلال صوت الراوي العليم وليس من خلال صوت الطفل نافلة. شعرت أنه من حق عامر، شقيق نافلة، أن يبرر غيابه عن أخته التي يحرقها الفقد؛ ولا معنى للغياب إذا لم ينطق بحكمته، ولو طال الزمن. تنتهي رواية “سر الزعفرانة” بملاحظة سعيدة، ولا يخون السرد قراءها ولا قوانين الحياة بأن الألم هو سيد العالم، رفيقنا منذ الولادة وحتى الموت. هذا ما أعتقد أنه سر الزعفرانة، الوصفة السحرية لكل سعادة ممكنة؛ إنها غريزة الحب التي ولد بها زعفرانة ونافلة وترعرعا في كل فراق، وتغذيا بتعلم كل مهنة من زراعة الأرض بكل ما يمكن من خضرة.




