اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-09 13:00:00
«الأربعاء الأسود» لم يكن يوماً عادياً في سجل الحرب المفتوحة على لبنان، بحيث يمكن إدخاله ضمن إيقاع التصعيد المعتاد. المشهد الذي عاشته بيروت يومها كان يحمل معنى أوسع من عدد الغارات ومواقعها، لأن ما اهتز فعلاً هو صورة العاصمة نفسها في الوعي الجمعي: المدينة التي ظل الكثيرون ينظرون إليها، حتى في أقسى وأصعب الأسابيع، على أنها الفضاء الأخير القادر على التنفس. من حيث التوقيت، جاءت الهجمات بعد ساعات من مناخ من التفاؤل الحذر يغذيه الحديث عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وعن احتمال أن يمتد هذا المناخ إلى لبنان أيضاً. ولهذا كان تأثير المداهمات أشد خطورة، إذ لم يقتصر الأمر على عنف القصف، بل على الصدمة النفسية الناجمة عن انتقال الناس في وقت قصير من توقع انفراج محتمل إلى مواجهة واحدة من أعنف موجات النيران التي شهدتها العاصمة منذ وقت طويل، وتحديدا منذ غزو 1982. من هنا، تبدو قراءة «الأربعاء الأسود» من منظور السقوط الأخير أكثر تعبيرا عن حقيقة ما حدث، خاصة بعد أن وجد الناس أنفسهم فارين من القصف القصف دون معرفة ما يجري. أين يذهبون بالضبط؟ عندما تفقد بيروت قدرتها على أداء وظيفة الحماية النفسية، يدخل لبنان كله إلى مرحلة مختلفة: مرحلة لم يعد فيها النزوح انتقالاً من الخطر إلى مكان أقل خطورة، بل انتقالاً من الخوف إلى الخوف، ومن القلق إلى القلق، ومن انتظار الهدنة إلى الإقامة داخل الذعر نفسه. وعندما فقدت بيروت وظيفتها النفسية خلال الأشهر الماضية، حافظ كثير من اللبنانيين على نوع من التمييز الداخلي بين الجنوب كجبهة مفتوحة، وبيروت كعاصمة تتعرض أحياناً للضغوط، لكنها تظل قابلة للحياة. ولم يكن هذا التمييز سياسيا بقدر ما كان نفسيا. كان الناس الذين غادروا الجنوب أو البقاع أو الضواحي يحتاجون إلى نقطة يستندون إليها، مكان يظنون أنه يمكن أن يمنحهم الحد الأدنى من الطمأنينة، حتى لو كان ذلك مجرد وهم مؤقت. وجاء الأربعاء الأسود ليكسر هذا التوازن الهش دفعة واحدة. فعندما يتم استهداف الأحياء المعروفة في قلب العاصمة، أو على اتصال مباشر بنسيجها المدني المزدحم، يسقط الحاجز الأخلاقي الذي كان يفصل بين الجبهة والمدينة. وفي هذه اللحظة بالذات يصبح السؤال سؤالاً مشروعاً عن وجهة الناس. إلى أين يذهبون هذه المرة بعد أن تبين أن الأمان الذي كانوا يبحثون عنه قد تراجع خطوة أخرى إلى الوراء، وبالتالي أصبح النزوح مجرد رحلة إلى المجهول؟ ولهذا السبب، لم تكن المشاهد التي ملأت الشوارع تعبيراً عن ذعر عابر. كان أشبه بإعلان جماعي لفقدان الثقة في كل خرائط البقاء. سيارات محملة بما يمكن حمله، وعائلات تجري بلا وجهة واضحة، ووجوه مذهولة، وأطفال يغادرون منازلهم دون أن يفهموا ما يجري. وفي مثل هذه اللحظات لا يقتصر ضرر القصف على الحجر، ولا حتى على الأشخاص الذين استشهدوا أو جرحوا. بل يؤثر على الوظيفة النفسية للعاصمة، فيحولها من ملاذ إلى ساحة أخرى مفتوحة. لبنان خارج الهدنة وداخل الرسائل. وما يضاعف من أثر هذا الانهيار الأخلاقي هو أن المداهمات جاءت في وقت غامض سياسيا. الحديث عن وقف إطلاق نار «أميركي – إيراني» خلق انطباعاً أولياً بأن لبنان قد يدخل في أجواء التهدئة، حتى أن رئيس الوزراء الباكستاني أعلن ذلك في البداية. لكن الساعات التالية أظهرت العكس، حيث قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الجبهة اللبنانية ليست معنية، واتفق معهم الأميركيون، موضحين أن لبنان ليس جزءاً مضموناً من أي تفاهم إقليمي حالياً. وهذا الواقع يمنح «الأربعاء الأسود» معنى إضافياً، إذ تعرّضت العاصمة لرسالة قاسية مفادها أن لبنان قد يبقى خارج أي انفراج يمس الساحات الأخرى. في هذا السياق، يتحول التفجير إلى أداة سياسية تقول للبنانيين إنهم قد يدفعون ثمن تفاهمات غير مكتملة، لا مكان لهم فيها سوى كونهم الحلقة الأضعف. بل بدا أن بيروت كانت تدفع «ثمن» اتفاق لم يرض نتنياهو، فقرر «الانتقام» على طريقته، وبدماء اللبنانيين الأبرياء، مهما كان قاسياً. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الخطر الاجتماعي لما حدث لا يقل عن خطورته العسكرية، إذ لم تكن بيروت مدينة عادية في نظر اللبنانيين خلال هذه الحرب، بل كانت مركز الثقل الإنساني والنفسي والمؤسساتي. وعندما تهتز العاصمة بهذه الطريقة، يتزعزع معها الشعور العام بأن الحياة يمكن أن تستمر، حتى في شكلها الأدنى. ولهذا السبب بدا “الأربعاء الأسود” بمثابة ضربة للبنية الأخلاقية لبقية البلاد، وليس فقط للأحياء المستهدفة. والأخطر من ذلك أن هذه الصدمة حدثت على مجتمع أنهكه النزوح والانهيار الاقتصادي بالفعل، فبدا الذعر مفهوما: لم يكن الناس يفرون من غارة فحسب، بل من شعور متراكم بأنه لا سقف يحميهم، ولا يمكن لأي مدينة أن تبقى خارج النار إلى الأبد. في النهاية، قال «الأربعاء الأسود» إن بيروت فقدت، ولو للحظة، صورتها كملاذ أخير. وهذه خسارة نفسية وسياسية خطيرة للغاية. لأن العاصمة عندما تبحث عن أمانها، تبحث معها البلاد بأكملها عن مكان للبقاء، ولا تجد سوى المزيد من الحيرة والخوف. وهكذا تبدو المشكلة أكثر من مجرد الغارات التي اشتدت، أو القصف الذي فاجأ الناس في منازلهم، بل في اكتشاف الناس أن المسافة بين الجبهة والمدينة أصبحت أضيق من أي وقت مضى، وأن الملاذ الأخير نفسه يحتاج الآن إلى من ينقذه!


