اخبار الكويت- وطن نيوز
اخر اخبار الكويت اليوم – اخبار الكويت العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-11-08 21:03:00
في عام 2010 أجريت لي عملية قلب مفتوح في قلب عاصمة النور والإنسانية باريس. اسم المستشفى أمريكي. والطبيب الذي أجرى لي العملية لبناني، ومعه أطباء مساعدون عرب وفرنسيون. الأستاذ المشرف على العملية والذي اجتمع حوله الأطباء لدراسة الحالة وكانوا يقرؤون من كتابه مثل الطلاب… هو لبناني. وطاقم التمريض هناك من المغرب والجزائر ومصر ودول إفريقية، وهناك فرنسيون. خلال فترة التعافي، نصحت بالمشي يوميًا والتقيت ببائعين فرنسيين بالقرب من المستشفى. أجرينا بعض المحادثات اللطيفة والعابرة. ولم أسمع من أي طبيب أو ممرضة فرنسية. طوال إقامتي لم تكن هناك شكوى أو شكوى أو كلمة تحقير واحدة تجاه زملائهم العرب أو الأفارقة. بل سمعت الثناء والحديث عن مقدار الفائدة التي حصلوا عليها من خلال الخبرة والتعلم. ولم أسمع من أحد من جيران المستشفى والباعة وأصحاب المقاهي كلمة واحدة عن أن المستشفى «أميركي» وليس فرنسي، وأن فيه أطباء من جنسيات مختلفة. بل سمعت أسئلة حول جودة الدواء وجودة الخدمات الصحية المقدمة. هل هذه المقدمة الطويلة التي بدأت فيها وصف باريس بـ”عاصمة النور” هي جزء من سيرة ذاتية؟ لا إطلاقاً… فهو مقدمة للمقارنة مع السير الذاتية المحلية المتعلقة بالمواقف من الوضع الطبي بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. كم أشعر بالسوء عندما أقرأ أحيانًا تعليقات عنصرية في الفضاء الإعلامي تتعلق بالطاقم الطبي والمستشفيات في الكويت. شخص يدخل عيادة ويقول من استقبلني من مجتمع معين ومن فحصني من مجتمع آخر ومن حولني إليه من مجتمع ثالث. ولم يخبرنا ما إذا كان الفحص الأولي ناجحًا وأن الإحالة موجودة. ولم يساعدنا كمتلقين، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالحالة والدواء والعلاج. كم أشعر بالغضب عندما أقرأ خبر الاعتداء على طبيب مغترب من قبل أشخاص وهم في الفيديو يتلفظون بألفاظ عنصرية في حقه وضد بلده. وأتعجب من كثرة المقترحات التي تدعو إلى فرض قيود على الوافدين من جنسيات معينة في مجال الطب والعلاج. وكم أستغرب أن الذين يهاجمون وجود الأطباء المغتربين ويطالبون بتقليل أعدادهم لا ينطقون بكلمة واحدة. وفيما يتعلق بقطاع التمريض، لم أسمع من هؤلاء العنصريين على وجه الخصوص دعوات للاستغناء عن الممرضين المغتربين واستبدالهم بنظام التمريض المحلي… لماذا؟ هل هناك إجابة؟ أم أن الإجابة أيضًا أصعب من السؤال؟ وأتفهم بالطبع أنه لا بد من اتخاذ إجراءات لتخفيف الضغط على النظام الصحي في البلاد، لكن هذه المسألة ليست مسؤولية المغترب، بل مسؤولية الإدارات المتعاقبة لهذا القطاع، التي تركت مرافق بأكملها دون تطوير أو تجديد تحسبا لليوم الذي ستزداد فيه حتما أعداد المرضى وطالبي العلاج. تطوير النظام يتم حله بخطط عملية يعرفها العاملون في القطاع الصحي، من تفعيل وتوسيع المرافق القائمة والاستفادة من الكفاءات المحلية والعربية والعالمية إلى اعتماد المكننة في كل شيء… لكن موضوعنا يتجاوز “الصحة” إلى صحة المجتمع الذي نراه يتراجع في مواجهة تزايد حجم الخطاب العنصري. إن القضية الصحية هي صورة مصغرة لضرورة المكافحة التدريجية للنفسية العنصرية المتفشية. مشاكل الكويت موجودة في كل القطاعات ولا ينكره إلا من يتجاهلها. إلا أن التعامل مع هذه المشاكل لا يكون باستهداف الآخرين، بل بالتركيز على اعتماد معايير علمية لحلها. منذ أن دخلنا من مسألة الطب، بدأت بعض الأصوات العنصرية تتحور وتتعزز وتنتقل من مكان إلى آخر. ولم يقتصر الأمر على مغترب هنا أو هناك.. بل امتد أحياناً إلى شركاء في المواطنة والأرض والتاريخ. بل بدأ البعض يعتمد هذه اللغة أحياناً لإهانة المجتمعات الشقيقة، القريبة منها والبعيدة، ولا نعرف إلى أين ستصل غداً. إذا كانت الفتنة أشد من القتل، فالعنصرية أشد من الفتنة. قد تكون عواقب الفتنة مروعة، لكن طبيعتها الظرفية تسمح إما باحتوائها، أو باحتواء نتائجها رغم كل الخسائر. أما العنصرية فهي تزرع تدريجياً بذور الشر في المجتمع والتي قد تتحول في المستقبل إلى نظام مرعب ينتج الفتنة… وتدميره. نحن في عصر يسعى إلى التنمية ويسخر لها كل إمكانيات الدولة. والمطلوب هو مساعدته في عملية الإصلاح بمقترحات علمية بناءة وليست هدامة. إن الاستقرار المجتمعي ضروري على أساس أن الكويت جميع مواطنيها متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وعلى أساس أن رسالة الكويت إنسانية، وعلى أساس الاستغلال الأمثل لكل الإمكانات الموجودة لبناء حاضر اقتصادي قوي ومستقبل أقوى.. التنمية لا تتساوى مع العنصرية ولن تتقدم في ظل مثل هذه المكابح. بالعودة إلى البداية، كنت «مغترباً» في أحد المستشفيات الأميركية في فرنسا، وخرجت من جراحة القلب المفتوح إلى عقل منفتح كشف لي سر ارتباط بعض العواصم… بالنور.




