اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-17 23:34:00
وهو ليس أخطر على المجتمعات من الجهل وحده، بل هو ذلك الذي يتنكر في ثوب المعرفة، فيجعل صاحبه يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة، في حين أنه يفتقر إلى أبسط مقومات العلم. وهذا ما يعرف بـ”الجهل المركب”: عندما يجهل الإنسان، ثم يدرك أنه جاهل، فإن قناعاته الهشة تتحول إلى يقين لا يقبل المراجعة. وفي عصر المنصات الرقمية، لم يعد نشر المعلومات يقتصر على المتخصصين، بل أصبح بإمكان أي شخص أن يقدم نفسه كخبير أو محلل، ويجمع آلاف المتابعين بكلمات واثقة تفتقر إلى الأدلة. وهنا يكمن الخطر: الثقة المفرطة تكون في بعض الأحيان أكثر إقناعا من المعرفة الحقيقية، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يفتقرون إلى أدوات التحقق والنقد. وتظهر آثار هذه الظاهرة في مجالات متعددة؛ ومن النصائح الطبية غير المشروطة التي تعرض حياة الناس للخطر، إلى الترويج للاستثمارات الوهمية التي تلتهم مدخرات الأسر، وصولاً إلى التعليم والإعلام والسياسة، حيث تتحول الآراء الشخصية إلى «حقائق» يتداولها الناس دون تدقيق. وتفسر بعض الدراسات النفسية هذه الظاهرة بما يعرف بـ”تأثير دانينغ-كروغر”، الذي يشير إلى أن أصحاب المعرفة المحدودة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، بينما يدرك أصحاب الخبرة حجم ما لا يعرفون، فيكونون أكثر تواضعا في أحكامهم. المشكلة ليست في الخطأ في حد ذاته، بل هو جزء من طبيعة الإنسان، بل في الإصرار عليه ورفض التعلم. فالمجتمعات التي تستبعد المتخصصين وتعطي منابر لمن هو أفضل في الخطابة منه في المعرفة، تفتح الباب أمام التضليل وتضعف الثقة في مؤسسات المعرفة. فكيف نحمي أنفسنا عمليا من هذا الفخ؟ فالأمر لا يحتاج إلى خبرة أكاديمية بقدر ما يحتاج إلى عادات بسيطة: التأكد من مصدر أي معلومة قبل تصديقها أو نشرها، والتمييز بين «الذي يتكلم بثقة» و«صاحب الدليل»، ونسأل أنفسنا دائماً: هل هذا الشخص مؤهل حقاً في هذا المجال، أم أنه ماهر في الحديث عنه فقط؟ ومن المفيد أيضاً اعتماد قاعدة «الانتظار قبل النشر»، أي تأجيل نشر أي معلومة صادمة أو حاسمة لحين التأكد من مصدرها. وعلى المستوى المجتمعي، يظل دعم المتخصصين الحقيقيين وتزويدهم بالمنصات، مع تعليم مهارات التفكير النقدي في المدارس منذ سن مبكرة، خط الدفاع الأول ضد موجات المعلومات المضللة. وفي الختام، فإن الحضارات لا تنهار بسبب نقص المعلومات، بل عندما يتولى زمام المبادرة من يظن أنه يعرف كل شيء وهو لا يعرف. المعرفة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بحدود ما نعرفه، وأن السؤال والتعلم فضيلة وليس ضعفا. أعجبتني عبارة للإمام علي: «لما سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق». هذه العبارة تلخص خطورة المشهد بأكمله. صمت العارفين ليس الحياد، بل هو الفراغ الذي يملؤه الجهل المقترن بثقته الزائفة. وفي زمن تتسابق فيه الأخبار والمعلومات، يبقى العقل الناقد هو الحصن الأقوى، ويبقى التواضع العلمي الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.



