البحرين – القدوة الغائبة… عندما تفقد الأجيال بوصلتها

اخبار البحرين25 يوليو 2026آخر تحديث :
البحرين – القدوة الغائبة… عندما تفقد الأجيال بوصلتها

اخبار البحرين – وطن نيوز

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-24 23:48:00

أمل محمد أمين بينما كنت أقلب في إحدى الصحف، استوقفني خبر عن اليوم العالمي للشباب. لم يشغلني الخبر بقدر ما أثار سؤالا في ذهني: هل يشعر شباب اليوم بهوية واضحة ومحددة؟ هل يمكن أن نصف الجيل الصاعد، المعروف بالجيل Z، بخصائص إنسانية وثقافية راسخة، أم أن الصورة أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى؟ ولا أحد ينكر أن هذا الجيل يمتلك قدرات استثنائية. فهو الأسرع في التعامل مع التكنولوجيا، والأكثر قدرة على التعلم الذاتي، والأكثر انفتاحاً على العالم. يمكنه الوصول إلى المعلومات في ثوانٍ، وإتقان مهارة جديدة عبر شاشة هاتفه، والتواصل مع ثقافات متعددة دون مغادرة غرفته. لكن من ناحية أخرى، فهو يعيش في عالم سريع للغاية، لدرجة أن القرارات المصيرية نفسها يتم اتخاذها أحيانًا على عجل. ومنهم من يسارع إلى الزواج بسرعة، ثم يكتشف بعد فترة قصيرة أنه غير مستعد، وينتهي الأمر بالطلاق. ومنهم من يغير دراسته أو عمله أو حتى قناعاته مرارا وتكرارا، وكأن الاستقرار أصبح مفهوما بعيدا عن حياتهم. وقد يفسر البعض هذه الظواهر بأنها نتيجة للتطور التكنولوجي أو ضغوط الحياة الاقتصادية، ولكن أعتقد أن هناك سببا أعمق، وهو عدم وجود قدوة حقيقية. الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة يحتاج إلى قدوة يحتذى بها، يراه أمامه ويتعلم منه معنى النجاح، وقيمة الصبر، وأخلاق المسؤولية. وفي هذا السياق، تذكرت كلمة رجل الأعمال نجيب ساويرس في إحدى اللقاءات التليفزيونية، عندما تحدث بتقدير كبير عن المعلم الذي كان نقطة التحول في حياته. ولم يكن ذلك المعلم مجرد ناقل للمعلومات، بل كان ذو تأثير إنساني، أخرجه من دوامة الفشل وأعاد إليه ثقته بنفسه، حتى أصبح من أبرز رجال الأعمال في المنطقة. تلخص هذه القصة حقيقة مهمة، وهي أن الناس لا يصنعون بالعلم وحده، بل تصنعهم أيضًا الشخصيات التي تؤمن بهم وتدفعهم للأمام. وكانت الأجيال السابقة تجد قدوة في الأسرة، وفي المدرسة، وفي المعلم، وفي المثقف، وفي الشخصيات العامة التي ارتبطت أسماؤها بالعلم أو الفكر أو الوطنية. واليوم تغيرت الموازين. بدأت منصات التواصل الاجتماعي تقدم آلاف النماذج المتناقضة، واختلط المؤثر الحقيقي بصانع المحتوى، وأصبح عدد المتابعين هو معيار النجاح، وليس قيمة الفكرة أو جودة الإنجاز. وفي ظل هذا الضجيج يجد الشاب نفسه أمام العديد من النماذج، لكنه نادرا ما يجد نموذجا يعطيه المعنى والاتجاه. وليس المقصود بالقدوة أن تكون شخصية معصومة من الخطأ، بل هو شخص صادق في خبرته، ويتحمل مسؤولية أفعاله، ويقدم نموذجا عمليا في الأخلاق والاجتهاد. القدوة ليست خطابًا يُلقى، بل سلوكًا يُرى ويُعاش. ولذلك فإن مسؤولية بناء القدوة لا تقع على عاتق المدرسة وحدها، بل تبدأ على الأسرة وتمتد إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والجامعات وحتى الشخصيات العامة التي تدرك أن أقوالها وأفعالها تؤثر في ملايين الشباب. إن هوية أي جيل لا تتشكل بالشعارات، ولا بالاحتفال بيوم الشباب العالمي، بل بما يراه الشباب في واقعهم قدوة تستحق الاحترام. إذا أردنا جيلاً واثقاً من نفسه، قادراً على اتخاذ قرارات متوازنة، ومتمسكاً بقيمه رغم انفتاحه على العالم، فلا بد من إعادة النظر في فكرة القدوة. إن الأمم التي تنجح في خلق قدوة خاصة بها تنجح في صناعة مستقبلها، لكن الأمم التي تترك أبنائها يبحثون عن قدوة لهم وسط فوضى العالم الرقمي تخاطر بفقدان معالم هويتها جيلا بعد جيل. ولعل السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس: كيف نفهم الجيل Z؟ بل: ما هو القدوة التي يمكن أن نقدمها له؟ ربما تكون الإجابة على هذا السؤال هي المفتاح الحقيقي لاستعادة الهوية الإنسانية التي تميز كل جيل، وتمنح الشباب القدرة على صناعة مستقبلهم بثقة ووعي. لكن الحديث عن القدوة لا ينبغي أن يبقى مفهوماً عاماً أو مجرد أمنية. بل ينبغي أن يقودنا إلى السؤال الأهم: من هو القدوة الذي يستحق أن يكون قدوة على المستوى الاجتماعي والإنساني والمهني؟ الجواب لا يتطلب الكثير من البحث؛ إنها شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن قائداً دينياً فحسب، بل كان نموذجاً شاملاً للإنسان في مختلف مراحل حياته. لقد كان ابنا صالحا، وزوجا رحيما، وأبا حنونا، وصديقا وفيا، وقائدا عادلا، وتاجرا أمينا، ومربيا خلق رجالا غيروا وجه التاريخ. لكن المشكلة ليست في غياب هذا النموذج، بل في طريقة تقديمه للشباب. وكثيراً ما يتم تقديم النبي صلى الله عليه وسلم من خلال سرد أحداث تاريخية أو التركيز على المعجزات، بينما يحتاج شباب اليوم إلى رؤيته كإنسان عاش تحديات مشابهة لما يواجهه، واتخذ القرارات الصعبة، وأدار الخلاف بالحكمة، وتعامل مع النجاح بالتواضع، ومع الإساءة بالصبر، ومع الخلاف بالرحمة. عليهم أن يكتشفوا كيف بنى فريق عمل من الشباب في مقتبل العمر، وكيف منحهم الثقة، وكيف جعل القيم أساساً للنجاح قبل أن يجعل النجاح غاية في حد ذاته. إن تقديم السيرة النبوية بهذه الصورة الإنسانية والعملية يجعلها أقرب إلى ضمير الشباب. وبدلا من أن تكون أحداثا محفوظة في كتب التراث، تصبح دروسا حية في القيادة وإدارة الوقت والأمانة وتحمل المسؤولية واحترام المرأة وقبول التنوع وبناء العلاقات والتوازن بين العبادة والعمل والحياة. وعندما يدرك الشاب أن هذه القيم ليست مجرد مبادئ مثالية، بل هي التي خلقت أعظم تجربة حضارية في التاريخ الإسلامي، سيجد في النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الأقرب إلى قلبه وعقله. إن أزمة الهوية التي يعيشها الكثير من الشباب لن تحل بمجرد الدعوة إلى التمسك بالماضي أو الانبهار بالحاضر، بل من خلال إحياء النموذج الذي يجمع بين الأصالة والإنسانية والقدرة على مواكبة الحياة. كلما نجحنا في تقديم الرسول صلى الله عليه وسلم كنموذج عملي للحياة، وليس مجرد شخصية تاريخية تذكر في المناسبات، كلما اقترب الشباب منه، واستعادوا البوصلة التي يحتاجونها في زمن تعددت فيه النماذج وتشابكت الأصوات. وعلينا أن ندرك ونعي أن الأمم لا تبني مستقبلها بالثروة وحدها، ولا بالتكنولوجيا وحدها، بل تبنيه بالإنسان. لا ينمو الإنسان إلا إذا وجد قدوة يثق بها. إذا كان شباب اليوم يبحثون عن نموذج يعطيهم المعنى قبل النجاح، ويعلمهم كيف يعيشون قبل أن يعلمهم كيف يفوزون، فلن يجدوا أحداً أصدق ولا أكمل من محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه القرآن الكريم بقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). ومن هذا المنطلق تبدأ الهوية، ومن هنا يبدأ المستقبل.

اخبار الخليج

القدوة الغائبة… عندما تفقد الأجيال بوصلتها

اخبار الخليج البحرين

اخر اخبار البحرين

البحرين اليوم

#القدوة #الغائبة.. #عندما #تفقد #الأجيال #بوصلتها

المصدر – https://alwatannews.net