اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-10 23:04:00
أمل محمد أمين قد يظن البعض أن الاهتمام بصقل مهارات الطفل وتنمية مواهبه هو ترف تربوي يمكن تأجيله إلى مراحل لاحقة من العمر، أو أنه مسؤولية الأسرة وحدها، في حين تكشف التجارب الإنسانية الناجحة أن بناء شخصية الطفل هو في الواقع مشروع وطني متكامل، يبدأ من المنزل ويمتد إلى المدرسة، ويشارك فيه وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والرياضية، والمجتمع ككل. الأطفال ليسوا مجرد أفراد يعيشون في حاضرنا، بل هم المواطنون الذين سيقودون مستقبل بلداننا، وكل استثمار في عقولهم ومهاراتهم هو استثمار مباشر في أمن المجتمع واستقراره وازدهاره. يولد الطفل مزوداً بقدرات فطرية تحتاج إلى من يكتشفها ويغذيها ويوجهها. الموهبة التي لا تجد بيئة داعمة قد تذبل، والذكاء الذي لا يتلقى التدريب قد يتراجع، والثقة بالنفس التي لا تتلقى التشجيع قد تتحول إلى تردد وخوف. ولذلك فإن صقل المهارات لا يعني تعليم الطفل الرسم أو الموسيقى أو البرمجة أو الرياضة فحسب، بل يشمل أيضًا بناء مهارات التفكير والتواصل والعمل الجماعي وإدارة الوقت وحل المشكلات واتخاذ القرار واحترام الاختلاف وتحمل المسؤولية. لقد تغير العالم بسرعة، وتُقاس المجتمعات اليوم بما تمتلكه من رأس مال بشري قادر على الابتكار والإبداع أكثر من الموارد الطبيعية التي تمتلكها. وفي هذا السياق، لم يعد التعليم التقليدي المبني على الحفظ والتلقين كافيا لإعداد جيل قادر على المنافسة في سوق العمل الذي يتغير كل يوم. فالطفل الذي يتعلم كيف يفكر وكيف يبحث عن المعرفة وكيف يطور نفسه باستمرار سيكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل من الطفل الذي يحفظ المعلومات دون أن يعرف كيف يستخدمها. ولا تقتصر أهمية صقل المهارات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى بناء الإنسان المتوازن نفسياً واجتماعياً. فالطفل الذي يمارس أنشطة فنية أو رياضية أو تطوعية يكتسب الثقة بالنفس والانضباط واحترام الآخرين، ويتعلم قيمة التعاون والالتزام، ويصبح أقل عرضة للانحراف أو الوقوع في براثن الأفكار المتطرفة أو الإدمان الرقمي. وقت الفراغ عندما يمتلئ بالأنشطة الهادفة يتحول إلى مساحات للإبداع، وإذا أهمل فإنه قد يتحول إلى بيئة خصبة للممارسات السلبية. ومن هنا تأتي أهمية دور الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل قيم الاجتهاد والانضباط وحب المعرفة. ليس المطلوب من الأهل أن يفرضوا أحلاماً لم تتحقق على أبنائهم، بل مساعدتهم على اكتشاف ميولهم الحقيقية، وتقديم الدعم النفسي لهم والتشجيع المستمر، وتقبل الفشل كخطوة طبيعية على طريق النجاح. فالطفل الذي يخاف من ارتكاب الخطأ لن يجرؤ على الإبداع، بينما الطفل الذي يشعر بالأمان والدعم سيخوض التجارب بثقة أكبر. كما تتحمل المدرسة مسؤولية محورية في اكتشاف المواهب وتنميتها، من خلال الأنشطة اللامنهجية والمختبرات والمسابقات العلمية والثقافية والأندية الرياضية والفنية، وإتاحة الفرصة لكل طفل للتعبير عن قدراته بعيداً عن ثقافة المقارنة بين الطلاب أو اختصار النجاح إلى درجات الامتحانات. فكم من عالم أو مبتكر لم يكن الأول على صفه، بل وجد من آمن بقدراته وأعطاه الفرصة المناسبة. ولا يمكن إغفال دور وسائل الإعلام والمؤسسات المجتمعية في ترسيخ ثقافة الاهتمام بالطفل. وبدلاً من تقديم نماذج سطحية للنجاح مبنية على الشهرة السريعة، يجب تسليط الضوء على قصص الأطفال والمتطوعين المبدعين والمبتكرين، لأن النماذج الإيجابية تغرس الطموح في نفوس الشباب وتدفعهم إلى السعي والاجتهاد. إن الاستثمار الحقيقي في الأطفال ليس مشروعاً قصير الأمد، بل هو رؤية استراتيجية لبناء مجتمع أكثر وعياً وإنتاجية واستقراراً. فكل جنيه ينفق على تعليم طفل، أو تدريب موهبة، أو إنشاء مكتبة، أو تجهيز ملعب، أو دعم مركز ثقافي يعود على المجتمع أضعافا مضاعفة في صورة مواطن صالح ومبدع ومنتج قادر على خدمة وطنه. ولعل أهم رسالة يجب أن نؤمن بها جميعا هي أن صناعة المستقبل لا تبدأ على أبواب الجامعات، بل تبدأ في السنوات الأولى من الطفولة، عندما نمنح الطفل فرصة لاكتشاف نفسه، وتطوير مهاراته، والإيمان بقدرته على الإنجاز. الأمم العظيمة لا تبنى بالصدفة، بل بأبناء يجدون من يؤمن بهم، ويستثمر في عقولهم، ويخلق لهم البيئة التي تحول أحلامهم الصغيرة إلى إنجازات كبيرة. عندما نجعل تنمية الطفل أولوية وطنية، فإننا لا نبني أفراداً ناجحين فحسب، بل نبني أيضاً مجتمعاً أقوى وأكثر تماسكاً قادراً على خلق المستقبل.



