اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-18 14:10:00
كتبه : عيسى بن عبد الرحمن الحمادي سبحان ربي ؛ تقدست أسماؤه، وتعلت صفاته، وتعالى في تعظيمه. هو الذي مد البحر فسحة رحمة لا فسحة نعمة، وأرسله وصلا لا طريقا قرارا، وجعل أمواجه رزقا متدفقا لا ضريبة جباية، ومضايقه معابر للأمم لا معاقل للأطماع. ليس البحر عقارًا يوراث، ولا الأمواج سلعة تحتكر، ولا الضيق بابًا تؤجر، ولا الريح رسول يؤمر. بل هي آيات أنزلها الخالق على عباده، ولم يجعل عليها قفلاً لمحتكر، ولا مفتاحاً لمتكبر، ولا صكاً لمتكبر. ومن أفسد التشبيه، وأفسد السلع، وفحش الادعاء، فهو أن يقف الإنسان على شاطئ بحر لم يخلق من مائه قطرة، ولم يجر من أنهاره عرقا، ثم يدعي أنه صاحب إذنه، وصاحب سبيله، وحافظ مروره. فكأنه يجاور النور ويدعي شمسه، أو يجاور السحاب ويدعي مطره، أو يجاور الفضاء ويدعي أفقه. ليس هكذا تعرف الحقوق، ولا هكذا تقام السبل، ولا هكذا توزن العقول. بل هي دعاوى إذا انتشرت فسدت، وإذا ظهرت إرهاقت، وإذا حكمت ضاع الحق، وساد السفه، واستوى القول والبهتان. لم يأتِ القانون الدولي ليمنح البحر حريته، فالحرية لا تُمنح، ولا ليعطي المضيق حقه، فالحقوق لا تُستجدى؛ بل جاء ليكف يد الطامع، ويقطع حجة المتنازع، ويمنع المنتصر من أن يجعل النعمة العامة منفعة خاصة، أو الحق العام ميراثًا محتكرًا. هذه القوانين ليست كلمات تُتلى، ولا مقالات تُملى، ولا أشياء تُحصى. بل هي دروس استخلصت، ومحن اختبرت، وتعثرت التجارة، وتحطمت السفن، حتى أيقنت الأمم أنه لو انطلقت قوة الهوى في البحر لاختنق فيه ازدهار الضمير، وإذا أصبح المضيق رهينة نزوة، أصبح العالم رهينة أزمة. حرية الملاحة لم تكن تكتب بالحبر، بل كانت تكتب بالدروس. لم يكتب بالأقلام، بل كتب بالألم. ولم يسجل في الكتب، بل أكده حطام السفن، وركام الموانئ، وركود الأسواق، واضطراب الآفاق، حتى أصبح القانون حارسا للحقوق لا صانعا للحقوق، ومقياسا للعدل بدلا من معطي العدل، وشاهدا على الحضارة لا شاهدا على التجارة. فإن قال قائل: المضيق لمن حده، والبحر لمن أشرف عليه، والعبور بإذنه، قلنا: ما فاسد هذا. التشبيه، ما أكذب هذا الخلط، وما أضل هذا الاقتباس! إذا كان الجوار يورث، والقرب يمنح، والأشراف يمنح، فليملك أهل جبل طارق مضيقه، وليملك أهل ملقا ممره، وليملك أهل البوسفور والدردنيل مساره، وليملك أهل باب المندب نهايته. وليكن كل بحر ملكًا، وكل مضيق محتكرًا، وكل موج خادمًا، وكل سفينة خاضعة، وكل تجارة خاضعة، ولتقف الأمم على أبواب المضايق كما يقف السائل على باب المدير، يستأذن، ويستجدي الرحمة، ويطلب المرور. كلاهما؛ الحقوق لا تباع، والبحار لا تُشترى، والمعابر لا تُنزع، والقوانين لا تُخترع. لا؛ العدل لا ينقسم، والقانون لا يتغير، والحقيقة لا تتحول، والموازين لا تختل. كلاهما؛ ما يثبت بالحق لا تهزه الأهواء، وما يستقيم بالعدل لا يفسده الأشراف، وما يحفظه القانون لا تبتلعه مطالب الأقوياء، ولا يتلاعب به أهواء السفهاء، ولا تقلبه صرخات الأدعياء، ولا تغيره أطماع الجبناء. وإذا كان الأمر كذلك، فأي عقل يقبل أن يصبح مضيق هرمز ورقة مساومة، أو أن يستخدم عبوره أداة خداع، أو أن يرفع في وجه هل العالم سيف تهديد؟ فالمضيق ليس شريان دولة معينة، بل هو شريان تجارة بأكملها، وليس باب منطقة دون إقليم، بل هو باب اقتصاد تتشابك فيه مصالح الأمم، وتتلاقى فيه منافع الشعوب. ومن لوح في إغلاقها، لم يلوح لخصمه وحده، بل للأسواق بأرزاقها، وللموانئ بأعناقها، وللسفن بأعلامها، وللتجارة بآمالها. ما أجهل من يظن أن البحر إذا هيج يعرف علماً ويستبعده، أو أنه إذا ارتفع الموج يميز بين سفينة وأخرى، أو أن النار إذا اشتعلت اختارت داراً وتركت أخرى. إذا أطلقت الفتنة عميت، وإذا انفجرت الأزمة انتشرت، وإذا وصلت الخسارة شملت؛ ومن يجعل المضيق سوطا للابتزاز يجعل العالم كله خصمه، والقانون شاهد عليه، والتاريخ قاضيه، ومحكم لا محاباة ولا محاباة. ولا يكمن الخطر في أن يضيق المضيق، أو أن يُسد المعبر، أو أن تتأخر السفينة؛ والخطورة هي أن تضيق موازين العدالة، وأن يتعطل حكم القانون، وأن تتخلف مبادئ الحق عن أهواء السلطة. البحار ليست سوى مرآة الحضارات. إذا صفا فيه العدل صفت مياهه، وإذا أقلبه الطمع اضطرب مجراه، وإذا عبثت به الأهواء اضطربت أمواجه، واختلطت أخباره، واستوى فيه المعتدي والمعتدي. البحار لا يحرسها الحديد إذا صدأت الضمائر، ولا المضايق تحرسها المدافع إذا سقطت القوانين، ولا السفن تنقذها الأشرعة إذا تمزقت مراسيها. بل يحرسها عدل لا يظلم، وعهد لا ينقض، وقانون لا يتغير، وميزان لا يميل. فإذا استقام الميزان أمن الإنسان، واطمأن الحاكم، وازدهرت التنمية. فإذا اختل التوازن اضطربت الأمم، واختنقت الشواطئ، وتعثرت السفن في الخلجان، وباردت الأسواق في البلدان، حتى أصبح البحر باباً للأحزان بعد أن جعله الله باباً للتنمية. ومن هنا فإن العالم اليوم مدعو إلى موقف لا يتزعزع وعزم لا ينضب. فهو يحمي القانون قبل أن يحمي المصالح، ويحمي الملاحة قبل أن يحمي التجارة، ويرد يد المعتدي قبل أن تمتد نيران العدوان. إن الهجوم على السفن ليس فقط هجومًا على دولة ما، بل أيضًا على سيادة الدول. إن التهديد الذي تتعرض له الممرات البحرية لا يشكل تهديدا لمنطقة وحدها، بل هو تهديد للنظام الدولي في أصوله، وللتجارة العالمية في فصوله. ومن نقض عهده ونكث عهده واعتدى على جيرانه فلا يلومن إلا نفسه إذا اجتمع العالم لردعه وتكاتف لوقف عدوانه. القانون لا تحميه الخطابات، بل المواقف. البحار لا تحميها الأمنيات، بل تحميها العزيمة. ولن تبقى الطرق آمنة حتى يصبح العدوان مكلفا، والردع حاسما، وينتصر السلام. وستظل مملكة البحرين بعون الله ثم بقيادة سيدي صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، مصونة، مصونة، راية مرفوعة، مقاومة للعدوان. ولن تضرها يد العدوان، ولن يضعف التهديد بالظلم عزمها. إنه وطن يحميه الله، وتحرسه قيادته، ويدافع عنه شعبه بإيمان لا يتزعزع ويقين لا يتزعزع.




