اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-05 17:45:00
كتبه: عيسى بن عبد الرحمن الحمادي ليس المهم ارتفاع الأصوات بل الأدلة. ويرتفع الصوت في مرحلة معينة ثم يتلاشى، ويبقى الحق ثابتا إلى الأبد، لا يختفي ولا يذوب. ليس كل ما يرفع صوته يكون أكثر قيمة، ولا كل ما يتكرر أصدق في مضمونه. فكم من شعارات ملأت الآذان ضجيجا وملأت العقول فرحا، وإذا اختبرت فهي فارغة ولا تحفظ توازنا، وتبني بنيانا، ولا تدفع ظلما، ولا ترفع القيم. لقد تجاوز الزمن رايتي الاشتراكية والشيوعية، فلم تتمكنا من إنزال معانيهما من سماء القول إلى أرض العمل، ومن ميدان القضية إلى محك العمل. فبقيت كلمات منمقة ووعود معلّقة، تسكن السمع ولا تطفئ الجوع، وتسعد الأذن ولا تحسن العمل، وتجمل القول ولا تحسن العمل. فلما اختبره الواقع وداوره في فلكه انكشفت عيوبه، وظهرت عيوبه. ولم تثير حاجة بشكل دائم، ولم تقيم توازناً يحمي الحوافز ويحد من الانحراف، ولم تخلق نظاماً يقيم العدالة ويمنع الاختلال. ثم رأينا، وعجب الزمن لا ينتهي، وغرائب الزمن لا تنتهي، من يرفع راية المادية الخالصة، وإذا ضاقت سبله وانقطعت حيله، لجأ إلى ظل الثيوقراطية، واستظل بمواليها. فاقتربت من الحركات التي اتخذت الدين غطاءً للمكاسب، والوعظ سلمًا للأهداف. جعلوا من الرمز جسرا ومن الكلام معبرا. وأحسنوا تذكره، وأتقنوا اكتسابه وتوظيفه، ولبسوا المعنى ثوبًا، وغيَّروا لون البيان. وكيف يجتمع إنكار الغيب مع استدعائه؟ فكيف يجتمع الفكر الذي يجمع بين نقيضين، ويجمع بين نقيضين، ويجمع بين نقيضين؟ هل من يبدأ ليله بكأس هل يلتقي بمن يبدأ فجره بالذكر والصلاة؟ وانظر إلى مشاهدها بعين البصيرة لا بعين السامع: لقاءات تجري في فلك واحد، وحلقات تعود إلى نفس المكان، وحضور يتكرر حتى ينحسر، ويتراجع حتى يستأصل، حتى صارت القاعات كأنها قبور. الكراسي ليس فيها حياة، إلا من يجلس عليها، ولا يملأها إلا أطفالها وأصداؤها. وكأنهم قد حبسوا أنفسهم في دائرتهم، وسئموا مجتمعهم، فجعلوا من الزواج المختلط وسيلة بقائهم وتوسعهم. يتكرر الكلام، ويتكرر معناه، وتتكرر صورته. لا يتم إنشاء أي شيء جديد، ولا يتم إنشاء أي معنى. وكأنهم يتحدثون مع أنفسهم، ويتناغم صدى صوتهم، ويكتفون بظلهم. فلا امتداد في المجتمع، ولا ترسيخ للحكم، ولا أثر ظاهر على الواقع. فالمجتمع بطبيعته السليمة، وأخلاقه المستقيمة، يزن الكلام بميزان المنفعة، ويمتحن الكلام باختبار الأثر. فيأخذ ما ينفعه، ويترك ما يخدعه، ويقبل الصادق، ويعرض عن المتظاهر. وهنا نتذكر المقولة المنسوبة إلى ونستون تشرشل: “من لم يكن اشتراكياً في شبابه لا قلب له، ومن يبقى اشتراكياً بعد الأربعين فلا عقل له”. جاءت أحداث الخريف العربي عام 2011، وكانت بمثابة المحك الذي يمكن الحكم عليه، وكالميزان الذي يمكن أن يفرق؛ وقد أصبح واضحاً أن كثيراً من هذه التيارات تتبع أكثر مما تقود، وتسبب أكثر مما تخلق، فتصبح أصواتاً تتكرر ولا تتجدد، وأصداء تتبع ولا تخلق، وذيول غيرها لا أصول لنفسها، وظلال لآخرين لا كيانات موجودة بذاتها. وفي التاريخ دروس لا حصر لها في هذا، وأدلة لا يمكن التحقيق فيها: بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ظن حزب توده الشيوعي أنه أحد الفائزين، لكنه كان بعد ذلك… خاسراً؛ ونظام الخميني عندما قام الأمر انقلب عليه ومنعه وفكك بنيته وأعدم قادته وأتباعه. عبرة لمن اعتبر، وعبرة لمن يتفكر. وكذلك ما حدث في التجربة الكوبية، وما واجهه تشي جيفارا من تقلب المواقف وخيانة رفاقه، فالدرس ثابت، وتبقى المغزى: إذا كانت الحركات تقودها الرموز وليس الواقع، والشعارات وليس الفعل، فإنها ستدفع أثماناً باهظة وتجني نتائج كارثية. ومن ناحية أخرى، فإن طريق التحررية يبرز من بين خصائصه، وعلاماته واضحة؛ إنها ترفع مكانة الفرد، وتحمي ممتلكاته، وتصون كرامته، وتجعل الدولة حارسة للحقوق وليست متدخلة في التفاصيل. فهو يجمع بين حرية مسؤولة بلا فوضى، وقانون عادل بلا ظلم، وسوق يكافئ الساعي ولا يضيع جهدا، ومؤسسات تحفظ العقود وتمنع التلاعب. وخلاصة القول أن الأفكار لا تعرف بأسمائها، بل بآثارها، ولا توزن بشعاراتها، بل بثمارها. ما أنتج الأمن ازدهر، وما أنتج الفوضى اختفى، وما بنى مجتمعا مستقرا، وما هدم نظاما انهار. لقد أثبت الواقع، وهو أصدق شاهد، أن الحركات اليسارية الاشتراكية والشيوعية قد تفوقت عليها الزمن، وسقطت معاييرها تحت وطأة الاختبار. فلا يليق بإنسان عاقل أن يعيدها إلى الواجهة، ولا يليق بالمجتمع أن يمكّنها من تمثيله، أو أن يمنحها موقعاً يتجدد منه فشلها. فإذا عجز عن الدفاع عن الوطن، ولم يثبت الولاء الصادق له وقيادته، واتخذ ألواناً أجنبية، ولم يخدم المجتمع عندما اختبره واختبره؛ وكثرة الشعارات لا تحييه، ولا تحسنه حدة الخطاب. بل التكرار يزيد انكشافه، والضجيج يجعله يتراجع، ويجعله عبرة بعد أن كان ادعاءً، وعبراً بعد أن كان شعاراً. اللهم احفظ مملكة البحرين وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، لما فيه خير البلاد والعباد، وجعل مملكة البحرين، كما أراد جلالته دائما، واحة تزدهر بالخير. وأمطار السلامة للجميع.




