اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-23 16:15:00
لم تكن المقالة الأخيرة للروائي العراقي علي بدر، بعنوان «المثقفون العرب ودول الخليج: عندما تحرك المال ولم يتحرك التاريخ»، مجرد قراءة غير وافية للمشهد الثقافي الحالي. بل كانت هفوة معرفية مدوية تكشف عن «وقاحة مفاهيمية» فظة. إنها الوقاحة التي تجرد الثقافة والأدب من أعلى وظائفهما: تهذيب الخطاب، والتحرر من النرجسية الشوفينية، والتحرر من أسر الأيديولوجيات البالية. وكشف المقال عن عقلية متعجرفة وطبقية وعنصرية، لا تقرأ الواقع إلا بعيون ماضي الأزمة، تتخفى بعباءة «نخبوية» زائفة لم يزيدها الأدب إلا غطرسة وتكذيبا للحقائق. ويصف بيير بورديو، في كتابه المرجعي “التميز: النقد الاجتماعي للحكم” (تميز، 1979)، كيف تحاول النخب المنحلة استخدام ما يسمونه “الشرعية التاريخية” أو “الأصالة الثقافية” كشكل من أشكال العنف الرمزي لحماية امتيازاتهم القديمة المهددة. ويرى بورديو أن النخب عندما تفقد أدوات السيطرة الفعالة، فإنها تلجأ إلى خلق تسلسل هرمي وهمي تستبعد من خلاله الوافدين الجدد، معتبرة إنتاجها الثقافي مجرد “محاكاة” تفتقر إلى العمق. ويتقاطع هذا السلوك العدواني بنيويا مع ما أسماه الفيلسوف وعالم الاجتماع ماكس شيلر في كتابه “الحقد في بناء الأخلاق” (ريسنتيمنت، 1912) بـ”التخفيض اللاواعي”. ويرى شيلر أن العاجز عن مجاراة تفوق الآخر أو مواكبة صعوده الحيوي يلجأ دون وعي إلى «التقليل من قيمة» إنجازات الآخر وإسنادها إلى عوامل مادية بحتة (مثل المال)، كآلية دفاع نفسي لحماية نفسه المتضخمة من مشاعر الدونية وفقدان المركزية. ويمارس علي بدر في مقالته هذا التخفيض بكل تفاصيله؛ وهو لا يجهل الأسماء الروائية والشعرية والنقدية الخليجية التي ملأت الساحة العربية إبداعا وتميزا طوال ربع القرن الماضي، بل يتعمد تجاهلها. إنه إهمال متعمد، لأن الاعتراف به يعني بالضرورة انهيار أطروحته الهشة، واعتراف قسري بأن «المركز» التقليدي الذي يندبه قد تم تجزئته وتوزعه، وأن الشرعية الإبداعية تكتسب بالنص وليس بالبطاقة الجغرافية. باعتباري شاعرًا ومترجمًا حضرميًا، ولدت وترعرعت في أرض المملكة العربية السعودية، وعاشت عائلتي تتأمل وتشهد التحولات والديناميكيات العميقة التي شهدها الخليج منذ خمسين عامًا، يحق لي أن أضع الحقائق في سياقها. التاريخ الطويل الذي ينسى بدر فصوله… إذا تحدثنا عن «أصالة المعنى»، فمنذ البداية، منذ عصر المعلقات والشعر الصحراوي الأول، كانت الجزيرة العربية منبع هذا المعنى الأول وموطن لغته واستعاراته. وليس مستغرباً أن يعود هذا الفضاء الجغرافي اليوم ليتصدر المشهد، لا بصفته «مديراً» أو «ممولاً» كما يدعي بدر باختصاره الفج، بل منتجاً حقيقياً وصانعاً متفوقاً للمعنى روائياً وشعرياً ونقدياً. فمشهد الترجمة العربي اليوم، على سبيل المثال، يقوده في أبهى صوره وأكثرها حيوية وعمقا مترجمون شباب من هذه الجغرافيا الخليجية. هؤلاء الشباب لا ينكرون من سبقهم في العالم العربي الكبير، ولا يمارسون قطيعة معرفية مع الحواضر الأخرى. بل يؤمنون بعقلية ناضجة أن إنتاج المعنى هو فعل تراكمي مستمر. شعلة حضارية تسافر عبر الجغرافيا، تشرق يوما هنا، وتتلاشى يوما هناك، دون أن يكون ذبولها يعني الموت، ودون أن يعني صعودها “انتهاكا وقحا” للتاريخ. الخليج العربي، في ظل التحولات الكبرى الراهنة، لم يطلب قط التعاطف من النخب المتأزمة، بل دفع دائما السؤال المعرفي والأخلاقي الحاد لمحاولة فهم أسباب غياب هذا التعاطف وغربة شرائح معينة تدعي التنوير، في حين يثمن في الوقت نفسه مواقف المنصفين والأحرار. أولئك الذين رأوا الحق وأدانوا الباطل دون غموض أو حسابات ضيقة. وهنا تكمن المفارقة المضحكة والمبكية في العودة إلى إنجازات علي بدر وسيرته الثقافية. فالرجل الذي ملأ العالم ضجيجاً بروايات حكمت على الإيديولوجيات وصناعة الأيقونات الزائفة والأنانية النخبوية – مثل “بابا سارتر” و”شتاء العائلة” – يقع اليوم في نفس الفخ الذي ادعى طوال حياته المهنية أن يفككه. يتحول الروائي «الحداثي» فجأة إلى حارس معبد قديم مهدم، يمارس «سلفية ثقافية مقيتة» لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن أي سلفية دينية متطرفة: كلاهما يعيش في القبور، وكلاهما يرفض الاعتراف بالزمن وتحولاته. وأنت يا علي بدر، بعد كل هذه السنوات، تثبت أنك لا تقرأ بعقلك، بل تراقب وتحلل من خلال عدسة موجهة، استقرت فيها كرامة النخب العربية التقليدية التي أخطأت تاريخيا في حق نفسها وفي حق نفسها. لقد جلبت لها شعوبها في القرن الماضي الكوارث بالشعارات الفارغة والأوهام المتعجرفة. ولم تتمكن هذه النخب من خلق واقع مستقر في أوطانها، فتكبرت على غيرها ولم تتمكن من خلق إنجاز وثقافة وتاريخ مشرق يتجاوز أخطاء الماضي. يجب أن تعيش زمنك، وليس زمن أسلافك. وعليكم أن تتخلىوا عن هذه الشوفينية الثقافية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. إن الخليج اليوم لا يحتاج إلى التحرر الثقافي من النخب التي تعيش على أنقاض القرن العشرين. قوافل الخليج المبدعة تسافر وتنتج وتترجم وتصنع التاريخ واقعا وليس مجازا، فيما لم يبق للظالمين سوى إعادة تدوير الرماد.




