اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-07 19:56:00
في بعض المرثيات لا يبكي الكلام على الغائب فحسب، بل يبكي على نفسه أيضًا. تتعثر اللغة، ويضيق الشعر عن حمل المأساة، فيصبح النص أشبه بأنين طويل. هكذا ظهرت قصيدة عائشة النعيمي وهي تودع زوجها الكاتب والناقد السعودي الراحل سعيد السريحي. نص يخرج من القلب قبل أن يمر في النثر، ومن الذاكرة قبل أن يستقر في القافية. لم تكن النعيمي تكتب رثاء تقليديا، بل كانت تكتب محاولة يائسة للقبض على ظل رجل رحل، وترك في البيت فراغا أكبر من اللغة. ولهذا قالت بصدق مؤلم إن القصيدة جاءت «شظايا من الكلام المتوازن أحياناً والمتوازن أحياناً والمضطرب أحياناً»، وكأن الحزن نفسه تمرد على قوانين الشعر وأبى أن يصاغ في قالب منتظم. “وما أريده في الحياة هو السعادة.” منذ البداية تفتح القصيدة بابها على جملة ستبقى طويلا في ذاكرة القارئ: “كل من سعيد في الحياة له هدف وأنا من يريد في الحياة سعيد”. وهنا لا يظهر اسم المتوفى كشخص فقط، بل يتحول إلى معنى للحياة نفسها. «سعيد» ليس زوجًا غائبًا، بل هو المقصود والطمأنينة والحياة التي اعتمد عليها الشاعر في مواجهة الأيام. لذلك، بدا الرحيل بمثابة اقتلاع معنى الحياة، وليس اقتلاع فرد منها. وفي هذه الآية بالذات تتجلى براعة العاطفة الخالصة؛ واستطاع النعيمي أن يبني مفارقة لغوية وإنسانية مؤلمة بين الاسم والمعنى، بين «السعيد» الذي اختفى، والحياة التي فقدت سعادتها برحيله. رثاء يواجه الموت بالدهشة. القصيدة لا تصرخ بقدر ما تتساءل. هناك دهشة طفولية تقف أمام الموت غير قادرة على التصديق: «الدهشة السعيدة.. كيف خرجت بلا عيد وبلا أمنية أخيرة.. أو ردود؟!».. لا تناقش فكرة الموت فلسفياً، بل تواجهها بعاطفة الزوجة التي كانت تؤمن أن للحياة راحة، وأن هناك موعداً مؤجلاً، وحديثاً لم يكتمل، وأمنية كان ينبغي أن تقال قبل الرحيل. تبدو كلمة “انطفأت” من أقسى الكلمات في النص؛ فهو لا يصف الموت بأنه نهاية الجسد، بل هو انطفاء نور كان يملأ المكان بالدفء والمعنى. عندما يصبح البيت قصيدة ناقصة. وفي فقرات أخرى يتحول الرثاء إلى سيرة بيت فقد روحه: «يا معزي ورفيق دربي.. دنياي.. أركان بيتي». الزميل الصريحي هنا، كما عرفناه في «عكاظ»، ليس اسماً ثقافياً أو ناقداً معروفاً فحسب، بل كان في قصيدة النعيمي «أركان البيت»، أي الحضور اليومي الذي يعطي الأشياء معناها. لذلك كان الرثاء عائليًا، حميميًا، بعيدًا عن الخطابة المتكلّفة، وكأن القارئ يتنصت على حوار خاص بين الزوجة وامرأتها الضائعة. ولعل ما يعطي النص تأثيره الأكبر هو صدقه غير المتحيز. النعيمي لا تحاول أن تبدو شاعرة بقدر ما تبدو امرأة مكسورة تحاول النجاة بالكلمات. “لن أذهب أبعد من ذلك… ولن أعود”. وتختتم النعيمي قصيدتها باعتراف يشبه الاستسلام: “حاولت.. حتى دق قلبي! لن أذهب أبعد من ذلك.. ولن أكرر!”. وكأنها تعلن أن الحزن قد بلغ حده الأقصى، وأن اللغة مهما اتسعت غير قادرة على رد الغائب أو شفاء الفقد. إنها قصيدة لا تُقرأ كنص أدبي فحسب، بل كوثيقة حب طويلة. بين روحين جمعهما العمر، ثم افترقا مؤقتا بالموت. ولهذا بدت المرثية أقرب إلى «ترنيمة وداع» هادئة يكتبها قلب يعلم أن بعض الأحبة لا يختفون تماماً، بل يتحولون إلى ذكرى تسكن فينا إلى الأبد. من مات يا عيوش ليس بمسافر. عائشة النويمل. كل ما هو سعيد في الحياة له هدف. أنا ما يعني أن الحياة سعيدة. والمراد ذهب كمسافر. وفي حلهم عاد حاضرا ولا يعود. من مات يا عيوش ليس بمسافر. يبدأ الله خلقه ويعيد ** بعيد عني … بعيد عن الحلم عنيد … تمادى يا سعيد وأبعدك . كنت لي وكنت معك ** عجبا يا سعيد… كيف خرج بلا عطلة وبلا أمنية أخيرة… أو ردود؟! بعيد … بعيد كنت لي وأنا معك ** اصبر يا سعيد اصبر على مهل يا سعيد. هل أسرعت بالرحلة الطويلة؟ لا زال في الأرض باقة من الأمنيات والوعود تتسع لنا… والقلب ينتظر المزيد ** كيف أحيي فرحتي؟! قصائد حبي أحلى سعيدة منسي ورفيقتي في دربي… دنياي أركان بيتي، كل ما لا يحتويه الشعر من زمن بعيد. كيف أجرؤ يا سعيد؟ حاولت… حتى دق قلبي! لن أضيف المزيد… ولن أكرر! إقبلوا هذا النشيد… في بعض المرثيات الكلمات لا تنعي الغائبين فقط، بل تبكي على نفسها أيضاً. تتعثر اللغة، ويجاهد الشعر في تحمل المأساة، فيتحول النص إلى ما هو أقرب إلى الأنين الطويل. هكذا ظهرت قصيدة عائشة النعيمي وهي تودع زوجها الراحل الكاتب والناقد السعودي سعيد السريحي؛ نص يخرج من القلب قبل أن يمر بالوزن، ومن الذاكرة قبل أن يستقر في القافية. لم يكن النعيمي يكتب مرثاة تقليدية؛ بل كانت تحاول يائسة الإمساك بظل رجل رحل تاركاً فراغاً في البيت أكبر من اللغة نفسها. ولهذا السبب ذكرت بصدق وألم أن القصيدة جاءت “شذرات من كلام موزون تارة… ومضطرب تارة أخرى”، وكأن الحزن نفسه يتمرد على قوانين الشعر ويأبى أن يتشكل في شكل منتظم. لا يظهر فعليًا كشخص، بل يتحول إلى معنى للحياة نفسها. فليس “سعيد” مجرد زوج رحل، بل هو الرغبة والطمأنينة والعمر الذي استندت إليه الشاعرة في مواجهة الأيام؛ وهكذا بدا الرحيل وكأنه اقتلاع لمعنى الحياة، وليس للفرد فقط. وفي هذا الخط بالذات يتجلى تألق العاطفة النقية؛ استطاع النعيمي أن يبني مفارقة لغوية وإنسانية مؤلمة بين الاسم والمعنى، بين «السعيد» الذي رحل والحياة التي فقدت سعادتها برحيله. مرثاة تواجه الموت بالدهشة… القصيدة لا تصرخ بقدر ما تتساءل؛ هناك دهشة طفولية تقف أمام الموت غير قادرة على التصديق: «يا غريب يا سعيد.. كيف انطفأت بلا عطلة، ودون أمنية أخيرة.. أو ردود؟!» لا يناقش فكرة الفكرة فلسفياً، بل يواجهها بعاطفة الموت لزوجة كانت تعتقد أن للحياة ما زال لها بقية، وأن هناك موعداً مؤجلاً، وحديثاً لم يكتمل، وأمنية كان ينبغي التعبير عنها قبل الرحيل. في النص؛ فهو لا يصف الموت بأنه نهاية الجسد، بل باعتباره انطفاء نور ملأ المكان بالدفء والمعنى. وحين يصبح البيت قصيدة ناقصة، وفي فقرات أخرى، تتحول المرثية إلى سردية بيت فقد روحه: «يا رفيقي وصديق دربي.. دنياي.. زوايا بيتي». قصيدة النعيمي هو «زوايا البيت»، ذلك الحضور اليومي الذي يعطي للأشياء معناها. ولهذا جاءت المرثية منزلية، حميمة، بعيدة عن الخطابة القسرية، كما لو كان القارئ يتنصت على محادثة خاصة بين الزوجة وخسارتها. ولعل ما يعطي النص تأثيره هو صدقه الخام؛ لا تحاول النعيمي الظهور كشاعرة بقدر ما تبدو كامرأة مكسورة تحاول النجاة بالكلمات. «لن أزيد.. ولن أكرر».تختتم النعيمي قصيدتها باعتراف يشبه الاستسلام: «حاولت.. حتى دق قلبي!، قصيدة لا ينبغي أن تُقرأ كنص أدبي فحسب، بل كوثيقة حب طويلة بين روحين تجمعهما الحياة، ثم يفرقهما الموت مؤقتًا، وهكذا بدت المرثية أقرب إلى «ترنيمة وداع» هادئة يكتبها قلب يعلم أن بعض الأحبة لا يختفون تمامًا، بل يتحولون إلى ذكرى تسكن. فينا خالد خلقه ويعيده**كم عني…كم عن الحلم العنيد…لقد أصررت يا سعيد وأخذت نفسك ما كنت لي وأنا معك**كم الغريب يا سعيد…كيف انطفأت بلا عطلة وبدون أمنية أخيرة…أو ردود؟!كم بعد عني…كم كنت لي وأنا معك**اصبر يا سعيد اصبر قليلاً يا سعيد هل أسرعت إلى الرحلة البعيدة؟ما زال عندي باقة مليئة بالكثير من الأمنيات والوعود لنا في الأرض مساحة… والقلوب تنتظر أكثر **كيف أحزن على روحي؟! فقصائدي في الحب أحلى يا سعيد يا رفيقي وصديق دربي… دنياي زوايا بيتي كل ما لا يحويه الشعر منذ زمن طويل كيف أجرؤ يا سعيد حاولت… حتى انفطر قلبي!


