اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-10 00:33:00
(1) في كتابه النقدي الأول: (الكتابة خارج الأقواس) الصادر في ثمانينيات القرن الماضي، تبدو فكرة «الحداثة في اللغة» و«الحداثة في التعبير» في منهجيتهما النظرية العلمية ووضعهما في سياق الضرورة الأدبية التاريخية والموضوعية، هي البداية الأولى والحقيقية والمركزية التي مهدت الطريق للحركة الثقافية والإبداعية الجديدة في بلادنا، بما حملته من عواصف ومعارك وصراعات اجتماعية ودينية أثرت مرارتها الصرحي نفسه وما جاء عذب به. وبعد ذلك، كانت هناك مغامرات فنية وتدخلات جريئة في إحداث ثورة في العلاقات الأدبية الباردة والمملة، وتدمير المعنى الساكن للوعي الأدبي آنذاك، والخروج من قوسيه. في هذا الكتاب المهم، وفي عرضه ومحاضراته الحية، أسس الفكر النقدي للصريحي معالم ورؤى، اهتمت بوعي نقدي مختلف وخارج السياق المعتاد، ورغم تزامنه مع صدور كتاب الغدامي (الخطيئة والتكفير)، إلا أنه اتسم بالوضوح العلمي والمنهجي والبصيرة الإبداعية الصادقة والحرص الشديد. لقد سعى جاهدا إلى ترسيخ معنى جديد للحداثة في الحركة الإبداعية الجديدة التي كانت كامنة في النسيج الثقافي وتحاول الانفلات من نير المهيمن والساكن. لقد انحاز إلى الوعي الفردي الفريد والخارج عن الوعي الجمعي في جدلية التواصل المنفصل، التي لم يقطع خلالها الحبل السري مع التراث اللغوي أو الثقافي. إلا أنه دعا إلى تجاوز هذا الوعي الجماعي الخارجي من أجل تحقيق التفرد في التعبير عن الرؤية وأدرك بشكل إبداعي أن “الإبداع ليس مجرد رؤية، بل هو رؤية فردية تهدف إلى التأكيد على حرية الإنسان تجاه العالم”. وشرح مشكلة الغموض في القصيدة، وحدد أولى المعالم التي تساهم في ترسيخ المعنى الحقيقي للحداثة في سياقنا الثقافي والمعرفي. ودعا إلى ضرورة فصل الرؤية الفردية عن الرؤية الجماعية من خلال تحريرنا من الأحكام المعيارية الصارمة في اللغة وأسلوب التعبير، أي التحرر بين الرؤية النفعية التي تهتم بإدامة الصور النمطية والرؤية المتمردة التي تهدف إلى “تحرير النفس من قيود الضرورة وإخراجها من حدود الإمكان والتطلع إلى الجوهر المثالي والمطلق والفني”. وقد أدرك الصريحي ذلك مبكرًا في مقالاته ومحاضراته الأولى هنا. وبطريقة واضحة ومنهجية للخروج من مأزق الغموض الشعري الحداثي، من المهم تجديد الموقف من اللغة، والوعي بأن اللغة تتجاوز سياقها، لتكون وصفا ومعطيا خارجيا، لتكون سكنا جديدا للوجود، كما قال هايدجر، كاللغة التي كتب بها شاعرنا محمد الثبيتي: (من الشيب إلى هديل الأباريق، تتدفق لغة الحجر بيضاء كالعروق الخشنة مثل العروق الخشنة). عروق زجاجة) •• وأهمية الوعي بالبعد المعرفي الذي تتضمنه النصوص الشعرية الجديدة واتساع استيعاب الشاعر الجديد المعاصر للثقافات الإنسانية، والإنجاز الشعري العالمي، والإنجازات الحضارية الحديثة، هو ما نلاحظه في كثير من نصوص أدونيس ومعظم قصائد الشاعر محمد عفيفي مطر، حيث كثيرا ما يتدخل البعد المعرفي والوعي بالتراث الثقافي القديم في تشكيل النص الشعري ويغرقه في الغموض والغموض. التكثيف. وتصبح القصيدة عالما مغلقا يحتاج إلى قارئ معرفي موازي ليدرك دلالات وإشارات النص اللغوية والجمالية. ••• هناك عامل مهم. وما يساعدنا بشكل أساسي في قراءة نص حداثي جديد هو وجود الوعي النقدي العلمي والإبداعي، الذي يصبح فعالا، كما يقول سعيد السريحي: “عندما تتطور مناهجنا النقدية ونتعرف على سمات الفلسفة اللغوية الحديثة”، وهو ما يبعدنا عن اللجوء إلى الفلسفات التقليدية التي ترى أن اللغة ليست أكثر من تعبير أو أداة للوصف. ولم تكتب القصيدة الجديدة ليسمعها فقط، بل كتبت لتقرأ، لما تنطوي عليه من بنية تركيبية مكانية ومعرفية ودلالية. أسلوب لغوي حديث فريد. وقد اختار السريحي عنوان سيرته غير الذاتية عنواناً ملفتاً مثل عنوان كتابه النقدي: (الحياة خارج الأقواس). ومن الكتابة إلى الحياة، يؤكد لنا الكاتب هذا التطابق الذاتي الموضوعي بين الفعلين، فكل منهما يشير إلى الآخر في فهمه. للحرية والخروج عن نمط القول وحصر الفعل، بين القول والفعل: (حي) السريحي يبتكر مكانته المتجددة في حركة الحداثة خلال حياته وبعد رحيله. وفي سيرته الحميمة وغير الذاتية، كما أسماها: (سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد)، يكتبها بلغة مخلوقة من روح ودم. يشكل لغته وينسج قصصه وأساطيره المبتكرة ويودعها في زجاجات اللغة القديمة. من خيالات الطفولة والشيخوخة، ومن تدفقات الخيال وغرائبها المضحكة، يبدع الكاتب سيرة موته، يكتب سيرته الغائبة وكأنه يكتب الحاضر أو كأنه يكتب عن شخص آخر شهد موته. في هذه الرواية الفريدة حقًا، يتذكر ما سيأتي ولا يتذكره وكأنه يعيش الموت حيًا، أي أنه يتخيل العيش في العدم قبل أن تأتي لحظته. يتمنى موتاً جميلاً: “ماذا لو أغمضت عينيك أثناء النوم ثم لم تفتحها أبداً؟” جدلية المعنيين تجري في كامل البنية السردية، معنى الوجود ومعنى الموت في حالة انسجام كأنهما وجهان. فمن ناحية، يصبح توقع لحظة الموت وتخيل حقائقه ونوادره بمثابة تصور وجود آخر خارج الوجود. ويستمر السرد في التدفق عبر أحاديثه وحواراته باللهجة الحجازية الرقيقة، وعلاقاته بين الطفولة والشيخوخة في حالة انجذاب إلى رؤية ميتافيزيقية ترى الواقع المعيش واقعا يتجه نحو الغياب أو الغياب حيا. ويكتب سعيد السريحي سرد وفاته كما يكتب قصيدة عذبة (وكأنه تنبأ بموته قبل موته)، يكتب ويقول: “جسد العمر يرقد بجانبي على السرير، أرى البدايات والنهايات مثل النرد، تتناثر السنين من حولي. أنا حقائقي المتخيلة وأوهامي الحقيقية… أتجمع ككرة معلقة في السقف وأنزل شيئا فشيئا حتى تجثم على صدري”. إن قلق المحو والغياب الوجودي هو بمثابة امتداد لقلق الوجود نفسه، لكنه مملوء بالغياب المؤجل. أي أن تأجيل المعنى والاحتمال والخيال أصبح حاضراً ومعاشاً. في هذه الرواية الممتعة، نواجه مفهومًا هايدجريًا يؤكد من جديد أن العدم موجود في أعماق الوجود، وما الوجود إلا سياق مصيري نحو العدم، وما الإنسان إلا كائن فانٍ. (3) وكما نعلم، لم يكن سعيد ناقدًا أو مفكرًا، بل كان راويًا مبدعًا وقارئًا جيدًا لتاريخ مدينته جدة التي أحبها وانتمى إليها أكثر من غيرها، فكتب جزءًا من تاريخها لحظة التكوين أو التأسيس في روايته القصيرة الرائعة (جدة 915). رواية تاريخية سيمفونية لم يكتبها أحد، تجلت فيها قدرة سعيد السريحي الرائعة في السرد التاريخي الواقعي، تجلت فيها الخيال، المشبع بالوعي بالمكان والوعي بالزمن معًا. مكان يرفض التحرك ضد الطغاة ولا يرفض الانتقام منهم. كانت نهاية كردي حسين نهاية ملحمية أظهر فيها أهل جدة الشجعان قدرة هائلة على التعبير عن المعنى. المقاومة في وجه الزمن الغادر وكان لهم الشاهد والشهيد! رواية (جدة 915) رواية عبقرية، مكتملة في فنها وتركيبها ورؤاها، في سياقها وفي ارتباطها بمعنى الحداثة والأفق الحداثي المشرق المتمرد الذي لا ينقطع مع التاريخ ولا الزمان ولا الإنسان. وفي فصلها الأخير، تصل هذه الرواية الملحمية القصيرة المكثفة إلى ذروتها الفنية والرؤيوية، عندما ينتقم أهل جدة من رمز الطاغية المملوكي ممثلاً بحسين الكردي. فما كان من الوالي المملوكي المتطفل الذي اجتاحهم إلا أن أُعدم غرقاً، وأقام وليمة لأعشاب البحر الأحمر وحوته، معلناً نهاية عصر مظلم وسنوات عجاف كان الناس يمضغونها بأسنانهم قبل أن تلتهم أسماك البحر وأسماك القرش جسد الطاغية الغريب. كتبها سعيد قبيل رحيله كأنه يسدد ديناً لمدينته التي أحبها في كل أحوالها وأوقاتها من أجل حريتها وانطلاقها نحو بدايات نهضتها. وهنا هو عليه. جدة تنهض من جديد بتألق متجدد في معنى التاريخ وعبقرية المكان.



