اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-25 13:07:00
إعادة النظر في تكوين الدولة السودانية: مراجعة لفصل محمود ممداني “السودان: الاستعمار والاستقلال والانفصال” أحمد إبراهيم أبو شوك لفت انتباهي الأستاذ السر سيد أحمد إلى كتاب محمود ممداني: “لا مستوطن ولا مواطن: صنع الأقليات الدائمة وتفكيكها” الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد (2020)، والذي قدم فيه شرحًا وافيًا. الحداثة السياسية من خلال سلسلة من دراسات الحالة المقارنة. ومن هذه الدراسات فصل بعنوان “السودان: الاستعمار والاستقلال والانفصال” (ص 196-256)، يقدم فيه المؤلف تفسيرا بنيويا ومقترحا نظريا لأصول الحرب الأهلية في السودان وتفكك الدولة القومية. وجوهر أطروحة ممداني هو أن أزمات السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال لا يمكن فهمها بمعزل عن إعادة تنظيم الكيانات التي خلقتها الدولة الاستعمارية عبر نظام الحكم غير المباشر، مثل الحكم الإنجليزي المصري (1898-1956)، ولم يقتصر من وجهة نظره على إدارة الخلافات القائمة، بل ساهم في إنتاجها ككيانات سياسية مستقلة عن بعضها البعض. ومن خلال تباين عادات وتقاليد هذه الكيانات القبلية، وإعادة صياغتها في شكل إدارات أهلية، حوّلها الحكم الاستعماري من هويات ثقافية مرنة إلى وحدات إدارية جامدة، مما أدى إلى إنتاج ما يسميه ممداني “الأقليات الدائمة”. أعطت الدولة الاستعمارية هذه الوحدات طابعًا مؤسسيًا للمنافسة والصراع السياسي في فترة ما بعد الاستعمار. وفي إطار هذه الفرضية، تمكن ممداني من إعادة قراءة التاريخ السوداني بعيدًا عن الروايات التقليدية القائمة على فكرة التنافر الديني أو العرقي بين “الشمال العربي” و”جنوب أفريقيا”. ويضع ممداني هذه التصنيفات ضمن سياق أوسع لـ “الهندسة السياسية الاستعمارية”. ومن خلال ذلك يربط السودان بحالات أخرى من الحداثة الاستيطانية والاستعمارية، مشيرا إلى أن عنف دولة ما بعد الاستعمار لا يمثل انحرافا عن الحداثة، بل استمرارا لها بشكل مختلف. ومن هذه الزاوية، يشكل هذا الفصل إضافة إلى سلسلة الدراسات التي تفسر الصراعات الأفريقية باعتبارها نتاجًا للإرث المؤسسي الاستعماري، وليس انعكاسًا للهويات البدائية. وهكذا ينتقد ممداني القومية التي ترسخت في دولة ما بعد الاستعمار، لأن النخب السودانية، من وجهة نظره، تبنت تصورا متجانسا للدولة القومية، وهو ما يتعارض جذريا مع البنية السياسية المجزأة التي ورثتها من الحكم الاستعماري، وبدلا من تفكيك هذا الإرث، أعادت الحكومات الوطنية إنتاجها المتتالي، مما عمق الصراعات على الانتماء والسيادة، وكانت النتيجة سلسلة من الحروب الأهلية، الأمر الذي ساهم في انفصال جنوب السودان، وهي النتيجة التي لا يراها ممداني حلاً مستداماً، بل ترسيخاً إضافياً لمنطق الهوية الإقليمية المسيّسة. وفي تحليله للتركيبة الهيكلية للحركة الشعبية لتحرير السودان وحدود وإمكانيات قدرتها على تجاوز الانقسامات الموروثة من الحقبة الاستعمارية، يشير ممداني إلى مشروع الحركة القائم على مفهوم “السودان الجديد”، باعتباره مشروعًا سياسيًا جامعًا وغير عرقي، ويرى أن الهياكل الاستعمارية الموروثة قيدت حركة هذا المشروع وساهمت في اندلاع سلسلة من الانقسامات القبلية داخله، مما أضعف إمكاناته التحويلية. ملاحظات على أطروحة ممداني: رغم الإطار البنيوي الاستعماري الذي قدمه ممداني، فإن أطروحته لا تخلو من بعض القصور، لأن تركيزه على الحكم غير المباشر كإطار تفسيري يوحي بدرجة من الحتمية البنيوية لأن التركيز ينصب على وراثة الاستعمار والتقليل النسبي من فعالية الأنظمة السياسية المتعاقبة التي حكمت السودان والتحولات الأيديولوجية والعوامل الاقتصادية التي شكلت فترة ما بعد الاستعمار تتجاهل بعض أبعاد الواقع السوداني دون شمولية. العلاج. على سبيل المثال، لا يحظى تأثير توزيع الموارد أو العسكرة أو التفاعلات الإقليمية بنفس الاهتمام الذي أولاه ممداني لمنطق تشكيل الهويات القبلية. علاوة على ذلك، فإن تعامله مع الفاعلين السياسيين في الشمال والجنوب يتسم بدرجة من التجريد، إذ لا يمكن وصف الشمال بأنه حامل لمشروع «العروبة» متماسك، ويجب فهم الجنوب في المقام الأول من خلال عدسة التفتت الاستعماري. ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي السوداني أكثر تعقيدًا من هذا، حيث تتشابك الأيديولوجيات والمصالح الإقليمية والانقسامات الداخلية. صحيح أن ممداني يشير إلى هذه التوترات – خاصة في سياق الانقسامات داخل الحركة الشعبية – لكنها تظل في نهاية المطاف خاضعة لإطاره البنيوي العام. ويثير موقفه المعياري من الدولة القومية أسئلة إضافية، إذ تشير تحليلاته إلى أن الدولة القومية، كشكل سياسي، تحمل في داخلها ميلا نحو الإقصاء والعنف، خاصة في سياقات ما بعد الاستعمار. ومع ذلك، لم تتم دراسة هذا العنف في إطار فرص الإصلاح التي قدمتها الدولة القومية نفسها، مثل الفيدرالية أو صيغ التوافق السياسي، والتي كانت محور النقاش السياسي السوداني منذ الخمسينيات. خاتمة رغم الملاحظات المشار إليها أعلاه، فإن فصل “السودان: الاستعمار والاستقلال والانفصال” الذي أعده ممداني ضمن دراسات الحالة التي تناولها، يظل مساهمة فكرية كبيرة، حيث نجح في تقديم مادة تاريخية تعيد بناءها وعرضها وتحليلها ضمن إطار نظري متماسك للحداثة السياسية وإشكالياتها، مما يضع التجربة السودانية في سياق تاريخي عالمي للاستعمار وما بعد الاستعمار، مما يدعو الباحثين إلى إعادة التفكير في العلاقة الثلاثية بين الهوية والسلطة والعنف، ومناقشة إرث الدولة الاستعمارية وتجلياتها في دولة ما بعد الاستعمار من زوايا متعددة. وعلى هذا الأساس يتجاوز الفصل السرديات الوصفية للصراع، ويدعو إلى الانخراط في تحليل البنى المؤسسية والمعرفية العميقة التي تشكل العمود الفقري للحياة السياسية في السودان، ويرسم بعض وجهات النظر المختلفة ولا ينتقص ممداني من قيمة هذا العمل الذي نجح في إعادة صياغة الأطر النظرية للنقاش، مما يجعله قراءة لا غنى عنها للمتخصصين في الدراسات الأفريقية ودراسات ما بعد الاستعمار والنظريات السياسية الحاكمة لها. ahmedabushouk62@hotmail.com




