اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 13:40:00
(الشرق الأوسط) في مشهد اختلطت فيه مشاعر الحزن وألم الخسارة بالآمال في خلق بيئة أكثر أمانا وصحة في الأحياء السكنية، تواصل السلطات الصحية في الخرطوم نبش جثث الموتى من المقابر العشوائية التي خلفتها ظروف الحرب في السودان. انتشلت الفرق الميدانية، الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وأفنية المساجد والساحات العامة بحي جبرة جنوب الخرطوم، تمهيداً لإعادة دفنها في المقابر الرسمية، بحضور ذويهم الذين يودعون أحبائهم للمرة الثانية بالدموع والصلوات. وأمام القبور التي يتم نبشها لضمان السلامة الصحية وتنظيم عمليات الدفن، يستذكر أهالي الموتى لحظات الفقد الأولى بكل تفاصيلها المؤلمة، ويستذكرون قصصا إنسانية تلخص فصول مأساة الحرب وآثارها الممتدة على الإنسان والمكان. لحظات لا تُنسى إحدى النساء تحبس دموعها وتقول: “إن لحظة نبش قبر أخي من أصعب التجارب التي مررت بها في حياتي، لم يكن بوسعي فعل شيء سوى الجلوس بالقرب من القبر، وقراءة ما أستطيع من القرآن، والدعاء له بالرحمة والمغفرة”. وجاءت امرأة أخرى في الصباح الباكر لمتابعة عملية نقل رفات والدها. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن المشهد كان مؤلماً للغاية، لكنها أكدت أن إعادة دفن الموتى في المقابر الرسمية «خطوة ضرورية رغم قسوتها»، وأن ما خفف عنها الألم هو شعورها بأن والدها سيدفن في مكان لائق. ولم تتمالك إحدى الحاضرات نفسها عندما رأت القبر يتم نبشه، فجلست تبكي بصمت وهي تستذكر الأيام الأخيرة التي قضتها مع فقيدها. وقالت إن المشهد أعاد إلى ذهني ذكريات الفقد الأولى، لكنها وجدت بعض العزاء في مشاركة الأدعية وتلاوة الآيات مع الآخرين. أما أحمد الجاك، الذي دُفن شقيقه عشوائياً بجوار باحة أحد المساجد خلال الأيام الأولى للحرب، روى كيف فقدت الأسرة أيضاً الأم التي تغلب عليها المرض قبل أن تموت بالبرد، مما ترك أثراً نفسياً شديداً على الأسرة بأكملها. وقال: “نقلناه إلى المستشفى لكنه توفي متأثراً بحالته ويتألم من الأحداث”. وتابع: “الآن حان الوقت المناسب لنقل رفات أخي وإعادة دفنه بجوار أفراد الأسرة في مقبرة الصحافة، بما يوفر له الدفن اللائق ولم شمله مع عائلته”. مقابر جماعية وسبق أن أشار مدير الطب الشرعي بالخرطوم هشام زين العابدين إلى وجود أكثر من 40 مقبرة جماعية في مناطق مختلفة من المدينة تم اكتشافها حتى الآن. وقال إنه تم انتشال وإعادة دفن 3500 جثة منذ بدء هذه العملية العام الماضي، بعد عودة سكان الخرطوم إليها بعد إخراج قوات الدعم السريع منها. وأضاف: “هناك 500 جثة أخرى تم انتشالها على الطريق البري الرابط بين أم درمان وبارا والذي يعرف بطريق التصدير.. والطب العدلي لا يزال يتلقى بلاغات بوجود مقابر”. وكان رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد أعلن استعادة السيطرة على الخرطوم في 26 مارس 2025، وطرد قوات الدعم السريع منها. ثم بدأ سكان العاصمة بالعودة إليها. وفي 25 فبراير/شباط، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان في عام 2025 كان “أكثر من ضعف ما كان عليه في العام السابق”، حيث قُتل 11300 شخص، بالإضافة إلى الجثث المفقودة والمجهولة الهوية. تهيئة “بيئة آمنة” وبشأن انتشال نحو 85 جثة من مقابر عشوائية وإعادة دفنها وفق الإجراءات الرسمية في المقابر المعتمدة، قال المشرف العام على هيئة الطب الشرعي بالخرطوم، بشير محمد عبد الله، إن هذه العمليات تأتي في إطار حملة مشتركة تنفذ تحت رعاية والي ولاية الخرطوم، وتهدف إلى “تهيئة بيئة آمنة لعودة المواطنين”. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الفرق الميدانية تواصل عملها لتنظيف وإزالة مواقع الدفن العشوائي من ساحات المنازل والساحات العامة وساحات المساجد «بما يسهم في استعادة السلامة الصحية والبيئية في المناطق المتضررة». وأوضح مدير الوحدة الإدارية لمنطقة جبرة مجدي الأمين، أن السلطات أشرفت على نقل رفات الموتى من منطقة جبرة جنوب العاصمة الخرطوم، بموافقة ذويهم، حيث تم إعادة دفنهم في مقبرة الصحافة وفق الإجراءات المعتمدة. وأكد الأمين لـ«الشرق الأوسط» أن الجهود ستتواصل خلال الفترة المقبلة لإزالة مقابر عشوائية أخرى، ضمن خطة تهدف إلى تنظيم مواقع الدفن وتعزيز السلامة الصحية والبيئية في المنطقة. ولا ينظر السودانيون عادة إلى إعادة دفن موتاهم على أنها مجرد خطوة إدارية أو صحية؛ بل هو عمل إنساني يعيد لضحاياهم «بعضًا من كرامتهم»، ولأسرهم «قدرًا من السلام والطمأنينة». لكن حقيقة «ثقيلة» تبقى عالقة في الضمير؛ وهي أن الحروب لا تنتهي عندما تصمت الأسلحة، بل تمتد آثارها إلى أعماق الأرض حيث يرقد الضحايا. مع استخراج كل قبر، لا يتم استعادة الرفات فقط؛ وحتى ذكرى الفقد بكل قسوتها.




