السودان – إعلان نيروبي وأزمة الخيال السياسي السوداني. هل تحاول القوى المدنية إنتاج مستقبل جديد؟

أخبار السودانمنذ 56 دقيقةآخر تحديث :
السودان – إعلان نيروبي وأزمة الخيال السياسي السوداني. هل تحاول القوى المدنية إنتاج مستقبل جديد؟

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-26 12:59:00

زهير عثمان هل تحاول القوى المدنية إنتاج مستقبل جديد.. أم إعادة تدوير اللغة القديمة؟ من السهل النظر إلى إعلان نيروبي الأخير للقوى المدنية السودانية على أنه مجرد لقاء سياسي جديد ضمن سلسلة طويلة من اللقاءات والمواثيق والتحالفات التي عرفها السودان خلال العقود الأخيرة، لكن هذا التبسيط يغيب عن سؤال أعمق بكثير من الحدث نفسه. هل بدأت الحرب السودانية تجبر النخب السياسية على إعادة التفكير في شكل الدولة والمجتمع، أم أن الجميع ما زال يتحدث لغة سودانية لم تعد موجودة؟ وفي الواقع، فإن أهمية إعلان نيروبي لا تكمن في الأهمية. في كونها “اختراقاً سياسياً” حاسماً، ليس في عدد الموقعين، بل في كونها مؤشراً لتحولات أعمق داخل المجال السياسي السوداني. لقد دفعت الحرب بعنفها الواسع وانهيارها الاجتماعي الجميع، مدنيين وعسكريين ومسلحين، إلى مواجهة سؤال لم يُطرح بهذه الخطورة من قبل: ماذا بقي من الدولة السودانية القديمة؟ فهل من الممكن حقا إعادة إنتاجه بعد كل هذا الدمار؟ لقد كشفت الحرب أن السودان لا يعيش أزمة سلطة فحسب، بل أزمة خيال سياسي أيضاً. ولعل هذه هي أخطر أزمة تواجه البلاد اليوم. الحرب وتفكك الدولة القديمة. منذ اندلاع الحرب، لم يتعرض السودان لتدمير البنية التحتية والمؤسسات فحسب، بل شهد أيضًا تفككًا عميقًا لفكرة “الدولة” نفسها كمركز للسيطرة والمعنى والانتماء. ملايين النازحين، وانهيار المدن، وصعود الخطاب الإقليمي والعرقي، وعسكرة المجتمع، والانفجار الرقمي والإعلامي، كلها عوامل أعادت تشكيل الوعي السوداني بشكل أسرع بكثير من قدرة النخب السياسية على الاستيعاب. لكن الملاحظة الأبرز هي أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي السوداني -بما في ذلك خطاب القوى المدنية- لا يزال يتحرك ضمن نفس المفردات القديمة: التحول الديمقراطي، والشراكة، والوثيقة الدستورية، وإعادة بناء المؤسسات، وتقاسم السلطة. قد تبدو هذه اللغة عقلانية سياسيا، لكنها في العمق تكشف عن أزمة أكبر. تتحدث النخب السياسية اليوم أحياناً إلى مجتمع لم يعد موجوداً بصورته القديمة. السودانيون الذين خرجوا من الحرب ليسوا سودانيين ما قبل 15 أبريل. فالحرب لم تغير الخرائط العسكرية فحسب، بل غيرت الإنسان نفسه – نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، وحتى في علاقته بفكرة الوطن. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تمتلك القوى المدنية الأدوات الفكرية والسياسية لفهم هذا التحول العميق؟ نيروبي – محاولة لإعادة السياسة أم إعادة تدويرها؟ يمكن النظر إلى إعلان نيروبي باعتباره محاولة لإعادة تقديم السياسة المدنية إلى مشهد تهيمن عليه الأسلحة. وهذا في حد ذاته تطور مهم، لأن استمرار الحرب دون أفق سياسي يعني عمليا موت المجال المدني برمته، وتحول السودان إلى فضاء عسكري مفتوح. لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ العودة إلى السياسة، بل في طبيعة هذه العودة نفسها. هل نشهد ميلاد رؤية جديدة للدولة السودانية؟ أم أنها مجرد إعادة تجميع للتحالفات القديمة بأسماء جديدة؟ حتى الآن، يبدو أن إعلان نيروبي يتحرك داخل منطقة رمادية. فهي من ناحية تعترف ضمناً بأن السودان القديم دخل في أزمة بنيوية عميقة، لكنها من ناحية أخرى لم تقدم رؤية فكرية متماسكة لطبيعة الدولة الجديدة التي تتحدث عنها. هناك حديث عن العدالة والهوامش وإعادة التأسيس ووقف الحرب، وهذه كلها قضايا مهمة. لكن الغموض لا يزال قائما حول السؤال المركزي: ما هو النموذج السياسي والاجتماعي الذي تريد هذه القوى بناءه فعلا؟ لأن إعادة إنتاج نفس الدولة المركزية القديمة، بنفس الثقافة السياسية والنخب والآليات، لن يؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم. أزمة القوى المدنية – بين الخطاب والمجتمع. المعضلة الأكبر التي تواجه القوى المدنية اليوم ليست فقط ضعفها التنظيمي أو تشتتها السياسي، بل أزمة الثقة العميقة بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع السوداني. ولا ينظر الكثير من السودانيين إلى القوى المدنية على أنها “بديل تاريخي”، بل كجزء من أزمة النخب السودانية. نفسها – نخبوية في خطابها، متمركزة حول المدن الكبرى، ضعيفة في التواصل الاجتماعي، وأحياناً أكثر انشغالاً بصراعاتها الداخلية من انشغالها بالتحولات الحقيقية داخل المجتمع. والأخطر من ذلك أن جزءا من الخطاب المدني ما زال يستخدم اللغة السياسية التقليدية في وقت يعيش فيه المجتمع تحولات نفسية واجتماعية عنيفة. فكيف يمكن الحديث عن «انتقال ديمقراطي» لمواطن فقد بيته وعائلته ومصدر رزقه؟ فكيف يمكن استعادة الثقة في السياسة عندما يشعر ملايين السودانيين بأن النخب كافة – المدنية والعسكرية – قد فشلت؟ في منع الانهيار؟ وهنا تظهر الحاجة إلى النقد الذاتي الشجاع داخل القوى المدنية نفسها. وهو ليس نقدا تكتيكيا يتعلق بإدارة التحالفات، بل هو نقد فكري لطبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع في السودان. السودان وأزمة “الخيال السياسي”. المشكلة الحقيقية في السودان اليوم هي أن معظم الأحزاب السياسية تكافح من أجل وراثة دولة قديمة، في حين قد يكون السؤال الأهم – هل هذه الدولة نفسها قابلة للحياة بعد الحرب؟ هذه هي أزمة المخيلة السياسية السودانية. وبدلا من التفكير في شكل جديد للعقد الاجتماعي، وعلاقة مختلفة بين المركز والهامش، وتعريف جديد للمواطنة، ونموذج تنموي يتجاوز الخرطوم. كمركز واحد، لا تزال السياسة السودانية تدور في كثير من الأحيان ضمن المنطق التقليدي للسلطة. من يحكم؟ كيف يتم تقسيم السلطة؟ ومن يسيطر على الدولة؟ وفي حين أن السؤال الذي تطرحه الحرب اليوم أعمق بكثير من ذلك بكثير، فكيف يمكن إعادة تصور السودان نفسه؟ ليس فقط كجهاز دولة، بل كمجتمع تعددي خرج من تجربة غير مسبوقة من العنف والانهيار. وبعد التصريحات، فإن إعلان نيروبي ليس ميلاداً لجمهورية جديدة بعد، لكنه يكشف أن الجميع بدأ يشعر بأن الحرب وحدها لا تستطيع أن تنتج مستقبلاً مستقراً. وهذا في حد ذاته تطور مهم، لكن القيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي سوداني اليوم لن تقاس بعدد الموقعين عليه، ولا بحجم الدعم الإقليمي أو الدولي الذي يتمتع به، بل بقدرته على الإجابة على الأسئلة التي ولدتها الحرب نفسها – كيف نفهم الإنسان السوداني الجديد الذي خرج من النزوح والانهيار؟ كيف نبني دولة لا تعيد إنتاج التهميش القديم؟ كيف تتحول السياسة من صراع النخب إلى مشروع اجتماعي حقيقي؟ إن السودان اليوم لا يحتاج إلى تسوية سياسية فحسب، بل يحتاج إلى إعادة تصور نفسه بالكامل. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى الكثير من المواثيق والإعلانات السياسية ضمن حدود اللغة القديمة، بينما يتحرك المجتمع -بآلامه وغضبه وتحولاته- نحو واقع جديد لم تتعلم النخب رؤيته بعد. zuhair.osman@aol.com الكاتب

اخبار السودان الان

إعلان نيروبي وأزمة الخيال السياسي السوداني. هل تحاول القوى المدنية إنتاج مستقبل جديد؟

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#إعلان #نيروبي #وأزمة #الخيال #السياسي #السوداني #هل #تحاول #القوى #المدنية #إنتاج #مستقبل #جديد

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل