اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-07 11:46:00
البروفيسور: حسن بشير محمد نور تأتي اجتماعات أديس أبابا، التي تجمع الخماسي الدولي مع عدد من القوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة السودانية، في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتفاقم الحرب وتتسع آثارها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، بينما تتزايد الحاجة إلى مسار سياسي قادر على وقف الانهيار وبناء أساس لتسوية وطنية شاملة. وتكمن أهمية هذه اللقاءات في أنها حاولت إعادة طرح فكرة الحوار السوداني السوداني كمخرج للأزمة، بعيدا عن منطق فرض حلول خارجية أو اختزال الصراع في طرفين عسكريين فقط. لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى نجحت اجتماعات أديس أبابا في بناء مسار وطني حقيقي، وهل تمكنت من التحول من مجرد لقاء سياسي إلى خطوة عملية نحو إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة السودانية؟ من حيث المبدأ، فإن أي جهد يهدف إلى جمع القوى المدنية والسياسية السودانية حول مشروع لإنهاء الحرب يمثل تطوراً مهماً، خاصة في ظل فشل المسارات السابقة التي ركزت بشكل كبير على التفاوض بين القوات المسلحة وأهملت الجذور العميقة للأزمة السودانية المتعلقة بطبيعة الدولة، واختلال التوازن في توزيع السلطة والثروة، والأزمات التنموية. تاريخية. لكن نجاح أي حوار وطني، كما ذكرنا مراراً وتكراراً، لا يقاس فقط بعدد المشاركين أو حجم الدعم الدولي والإقليمي له، بل بقدرته على تحقيق ثلاثة شروط أساسية: التمثيل الشامل، ووضوح الرؤية السياسية، والقدرة على تحويل مخرجاته إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ. ومن هذه الزاوية تظهر العلاقة بين اجتماعات أديس أبابا وإعلان المبادئ الذي انبثق عن اجتماع نيروبي الشهر الماضي. وحاول إعلان نيروبي إرساء أساس سياسي يرتكز على مجموعة من الأفكار المهمة، من بينها أولوية الحل السياسي، وضرورة بناء كتلة مدنية واسعة، ومعالجة جذور الأزمة وليس أعراضها فقط، واستبعاد إعادة إنتاج النظام الذي أدى إلى الحرب. ويبدو أن هناك نقاط تقارب واضحة بين المسارين، خاصة في التأكيد على ضرورة إنهاء الحرب، ورفض اختزال مستقبل السودان في تفاهمات بين القوى العسكرية، والبحث عن صيغة سياسية مدنية تعيد الدولة على أسس جديدة. لكن الاختبار الحقيقي يكمن في الانتقال من المبادئ العامة إلى الترتيبات العملية حول كيفية وقف الحرب، ومن يملك الشرعية لتمثيل الشعب السوداني، وكيف ستكون المرحلة الانتقالية المقبلة. وعلى الرغم من هذه التقاطعات، فإن هناك اختلافات جوهرية بين المسارين. وبدا أن اجتماع نيروبي حاول الدفع نحو بناء مشروع سياسي سوداني أوسع يتجاوز أطراف الحرب، فيما ركزت اجتماعات أديس أبابا أكثر على جمع مختلف القوى حول مسار تفاوضي وسياسي برعاية دولية. وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المساران متكاملان أم أن هناك تنافساً بين رؤيتين مختلفتين لطبيعة الحل؟ ومن أبرز التحديات التي واجهت اجتماعات أديس أبابا غياب الجيش السوداني عن الاجتماع. ويثير هذا الغياب مشكلة جوهرية: كيف يمكن بناء عملية سياسية لإنهاء الحرب دون مشاركة أحد أطراف النزاع المسلح الرئيسي؟ صحيح أن الحل المستدام لا يمكن أن يكون عسكرياً، لكن تجاهل أحد مراكز القوى الفعلية في الحرب يجعل أي مخرجات سياسية تحتاج إلى آليات إضافية لضمان تنفيذها. (الالتزام والتنفيذ). في المقابل، لم يكن وجود بعض القوى المدنية والحركات المسلحة كافياً لإنهاء أزمة التمثيل. وظهرت خلافات داخل بعض المكونات المشاركة، منها خلافات داخل الكتلة الديمقراطية نفسها، كما أن غياب قوى مؤثرة مثل حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور والحركة الشعبية – التيار الديمقراطي عن التوقيع على البيان الختامي يقلل من شمولية النتائج. كما أن موقف الحزب الشيوعي السوداني الذي التقى الخماسي خارج الإطار الرسمي للاجتماعات، يعكس وجود تحفظات لدى بعض القوى السياسية حول طبيعة العملية ونتائجها، وربما يعبر عن تخوف من الالتزام بتسوية لا تزال شروط نجاحها غير مكتملة. ويتمثل الغياب الأكبر في ضعف حضور القوى الاجتماعية التي لعبت دورا محوريا في الثورة السودانية وفي تشكيل الوعي السياسي الجديد، وعلى رأسها لجان المقاومة والنقابات المهنية والاتحادات المستقلة، وعدد من الهيئات المدنية التي تمثل قطاعات واسعة من المجتمع. ويطرح هذا الغياب تساؤلا جوهريا حول إمكانية بناء مشروع وطني حقيقي إذا لم يكن المجتمع المدني الواسع طرفا أساسيا فيه. ومن أهم الإشكاليات التي برزت في عملية أديس أبابا محاولة مناقشة الترتيبات السياسية في ظل استمرار الحرب، وغياب وقف شامل لإطلاق النار، والالتزام بفتح الممرات الإنسانية. فكيف يمكن بناء عملية سياسية مستقرة وملايين السودانيين يعيشون تحت القصف والنزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية؟ وتؤكد التجارب الدولية أن المسار السياسي يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار الإنساني والأمني. وهذا لا يعني بالضرورة الانتظار حتى تتوقف الحرب تماماً قبل الحوار، بل لا بد من إجراءات متزامنة تضمن حماية المدنيين ووقف الانتهاكات وتوفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية، حتى لا تتحول العملية السياسية إلى نقاش نخبوي منفصل عن الواقع اليومي للمواطنين. ومن هذا المنطلق فإن أي مسار سياسي لا يربط بين وقف الحرب والمساعدات الإنسانية وإعادة بناء مؤسسات الدولة سيظل عرضة للفشل لأنه يعالج الجانب السياسي بمعزل عن الأزمة الشاملة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الأهمية السياسية لاجتماعات أديس أبابا. وساهمت في إبقاء فكرة الحل السياسي حاضرة، وأحيت النقاش حول ضرورة بناء كتلة مدنية قادرة على توفير بديل للحرب وعودة القوى التي ساهمت في إنتاج الأزمة. كما يمكن أن يشكل خطوة أولية إذا تطور نحو حوار أكثر شمولا. لكن الخطر يكمن في أن تتحول مثل هذه اللقاءات إلى مجرد منصة لإصدار إعلان سياسي جديد من دون تغيير حقيقي في موازين الأزمة. ولا يحتاج السودان إلى اتفاق بين النخب السياسية فحسب، بل يحتاج إلى مشروع لإعادة بناء الدولة يعالج جذور الصراع: أزمة الحكم، والتنمية غير المتوازنة، وعدم العدالة في توزيع الموارد، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وتجنب الإفلات من العقاب، وبناء اقتصاد قادر على إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار. إن الحكومة المدنية التي يحتاجها السودان بعد الحرب لا ينبغي أن تكون مجرد ترتيب انتقالي بين القوى المتصارعة، بل مشروع وطني جديد يستبعد منطق المحاصصة وإعادة إنتاج الأزمة، ويؤسس لحكومة مدنية ديمقراطية بمشاركة واسعة، قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي والإقليمي من موقع الشرعية الوطنية. ولذلك فإن تقييم اجتماعات أديس أبابا يجب ألا يعتمد فقط على نجاحها أو فشلها، بل على مدى قدرتها على التطور. فإذا انفتح على القوى الغائبة، وربط المسار السياسي بوقف الحرب والاحتياجات الإنسانية، وتحول من لقاء النخب إلى عملية وطنية شاملة، فقد يصبح نقطة تحول مهمة. لكن إذا بقي مقتصراً على التمثيل الجزئي، وتجاهل القوى الاجتماعية الأساسية، وناقش مستقبل السودان دون التطرق إلى واقع الحرب، فبدلاً من توحيد القوى المناهضة للأزمة، قد يؤدي إلى زيادة الانقسامات وتعقيد طريق الحل. السودان يقف أمام لحظة تاريخية لا تحتمل التسويات المؤقتة. المطلوب ليس إنهاء الحرب فحسب، بل إنهاء الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة، وبناء دولة جديدة قادرة على تحقيق السلام والتنمية والعدالة.mnhassanb8@gmail.com الكاتب




