السودان – الأبطال بين دماء الأمس ونكران اليوم

أخبار السودانمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
السودان – الأبطال بين دماء الأمس ونكران اليوم

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-23 12:12:00

أصداء الوعي آدم أبكر عيسى 22/07/2026 الوعي في زمن السودان المجزأ ليس فقط وعي بذلك المشهد المرئي من الدمار والتهجير؛ بل هي قدرة المؤمن على اختراق طبقات الزمن، ليرى كيف يتحول دم الأمس إلى وصمة عار اليوم، وكيف يتحول تاريخ التضحية إلى اتهام عابر. وفي خضم هذه الحرب، كتب الرجال والنساء ملحمة لا تضاهى، سقوا فيها تراب الوطن من النيل إلى النيل، وأقاموا بحضورهم الجسدي ودمائهم الحارة أسس دولة كانت على حافة الهاوية. لقد كانوا في لحظة الخطر العمود الفقري الذي يرتكز عليه الوطن، والعين الساهرة التي لا تغمض خوفاً على هوية هذا الكيان. لكن بقدر ما كانت تضحياتهم كبيرة، وقسوة الإنكار، ما إن هدأت زوبعة المعركة قليلاً، وما إن بدأت عجلة «الأمن» تدور في مساحات لا تعرف معنى الجمال، انقلبت الآية، وحل محل الشرف الاتهام، وكان ما قيل لهم: «ارجعوا حيث كنتم، لماذا أنتم هنا؟». وهنا تظهر آلية النظرة الضيقة المريضة، التي تنظر إلى الإنسان وكأنه مجرد أداة وظيفية تستخدم وقت الحاجة، ويتم التخلص منها بعد انتهاء الغرض. إنها نظرة تحطم استمرارية الذات، وتفصل أمسها البطولي عن حاضرها الوجودي، وكأن دمائهم التي سالت على التراب قد تبخرت في الهواء، ولم تترك أي أثر في ذاكرة من أنقذهم. هذا الخطاب الذي يمارس نوعاً من التفوق الأخلاقي الزائف، يحمل في داخله نبرة كراهية خفية، يتهم فيه هؤلاء الأبطال بأنهم مجرد “غرباء” دخلوا المجتمع كحالة طوارئ، وأنهم بعد عودة الأمن أصبحوا مصدر كل مشكلة وسبب كل فشل، وكأنهم لم يكونوا مؤخراً الدرع الحصين والراية المرفوعة. ومن المؤسف أن نلاحظ، في تحليلنا المنطقي لهذه الظاهرة، أن أصحاب هذا الخطاب الفوقي يمارسون أقسى أنواع المغالطة التي حذر منها المنطق الأرسطي، وهي مغالطة “الانفصال الزائف” أو تقسيم الكل المتصل. إنهم يقسمون الزمن إلى أجزاء لا تتواصل، وكأن بطل الأمس لا يستطيع أن يكون مواطن اليوم، وكأن فضائل الأمس التي أنقذت الوجود لا بد أن تمحيها غيوم اللحظة الحاضرة. إنهم يختزلون الإنسان المعقد، الغني بالتجارب، إلى مجرد «مشكلة أمنية» عابرة، في حين أن الحقيقة هي أن هذا هو الإنسان نفسه الذي كتب بأصابعه الدموية الفصول الأولى للدولة. إن نسيان فضائل الأمس ليس مجرد خطأ في الذاكرة، بل هو جريمة في حق المنطق التاريخي، لأنه يقطع جذور الهوية، ويجعل من الأمة كياناً بلا ماض، وبالتالي بلا مستقبل. وهذا النوع من الخطاب الذي يمارس الكراهية تحت ستار “فرض النظام” لا يخدم الوطن بأي شكل من الأشكال. بل على العكس من ذلك، فهو يزرع بذور التشظي في اللحظة التي تكون فيها الجراح في أشد الحاجة إلى الشفاء. وقولنا لمن ضحى بكل شيء: «أنت سبب المشاكل» هو في العمق اعتراف ضمني بعجزنا عن بناء الدولة على أسس عادلة. وهي محاولة لإلقاء أعباء الفشل الإداري والسياسي على مظهر من لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا مخلصين لوطن لم يكن وفيا لهم. البطل الحقيقي في العقلية الجماعية السليمة هو من يتذكره الوطن ويفتخر به الوطن، وليس من يتذكره ويشعر بالغربة في أعماق بيته. إن الأمن الذي نسعى إليه لا يمكن أن يبنى على خطاب الكراهية، فالكراهية تولد الكراهية، والرؤية الضيقة لا ترى إلا الأفق القريب، بينما تبنى الأمم برؤية شاملة تدرك أن من يسقي الأرض بدمه أحق من غيره بالجلوس على ترابه عندما تهدأ الرياح. المنطق الإنساني هنا، وقبل المنطق السياسي، يفرض علينا إعادة النظر في العلاقة الجدلية بين التضحية والمكافأة، أو بين التضحية والشكر. وكما دعت الضرورة الوطنية إلى تضحياتهم بالأمس، فإن الضرورة الوطنية اليوم تدعو إلى تكريمهم ومعاملتهم بالإنصاف، وليس إقصائهم وتهميشهم. إن التهم الموجهة إليهم، تحت أي ذريعة، هي بمثابة طعنة في الجانب بعد أن صمدوا في وجه الرصاص. هل نريد وطناً يبنى على أجساد أبنائه ثم يدفنهم من جديد بالنسيان والاتهام؟ أم نريد دولة تعرف أن كرامة من حماها هي أساس كرامتها؟ وفي ختام هذا التأمل لا بد أن نعود إلى جوهر الوعي الذي تحدثنا عنه؛ ولا يكتمل الوعي السوداني الحقيقي دون امتلاك الشجاعة الأخلاقية لنقد هذا الخطاب المتعالي، والجرأة على القول: إن الذين سقوا التربة بدمائهم هم العمود الفقري لهذه الأرض، وليسوا غرباء في زمن الأمن، بل هم أهلها وأسيادها. إنكار فضائل الأمس هو تقصير في الذاكرة، والذاكرة القصيرة هي عدو كل نهضة. إما أن نتعلم كيف نوسع نظرتنا لرؤية الإنسان في استمراريته التاريخية، أو نبقى أسرى لحظة رهيبة، نكشف فيها عن أغلى ما نملك، وهو ثقة الذي ضحى بدمه من أجلنا. ولتكن كلمة “عد إلى حيث كنت” آخر ما يسمعه البطل. بل فلتكن كلمة “تقدموا هذا وطنكم” هي البداية الحقيقية لبناء الدولة التي سقيتم ترابها بدمائهم. الوطن ليس أرضاً تُغزو بالسلاح، بل هو ذكرى تُحفظ بالوفاء… وفي النهاية يبقى السؤال الأخلاقي الأعمق: هل نريد وطناً حقاً؟ الوطن ليس مجرد تراب نحميه بالرصاص، بل هو عهد نحميه عرفاناً لمن سقيه بدمائه. من أضاع فضائل الأمس فقد أضاع معنى الغد rukadam77@gmail.com المؤلف

اخبار السودان الان

الأبطال بين دماء الأمس ونكران اليوم

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#الأبطال #بين #دماء #الأمس #ونكران #اليوم

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل