اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-06 12:21:00
الصادق حمدين في هذا المشهد السياسي المربك لم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه أو إخفاؤه خلف التعبيرات الدبلوماسية والابتسامات الباردة. تنظيم “العسكري” الإرهابي قرر اختياره من خلال كلام قائدي الدبابات الناجي عبد الله والناجي مصطفى، دون لبس، عندما تحدثا بصيغة الجمع: “نحن مع إيران…”، وقررا باسم تنظيمهما الدموي وضع السودان في خندق واحد مع نظام الملالي الخارج عن السيطرة. الإجماع الدولي بقيادة أمريكا، ولو كان الثمن هو تمزيق ما تبقى من سيادة الدولة السودانية، وتعريض أمن شعبها المفقود والمستقبل المجهول لأجيالها لرياح صراعات قاسية لا ترحم. وهو انحياز صارخ ومتعمد، لا يمكن تفسيره بسوء التقدير السياسي، بل بالإصرار الواعي على تقديم إيديولوجية عابرة للحدود الوطنية على حساب الوطن الجريح نفسه. إن هذه الخطوة المتهورة ليست خطأ تكتيكيا عابرا، بل هي مقامرة صبيانية كبرى للتلاعب بمصير أمة بأكملها. فهم لا يتجاهلون المصلحة الوطنية فحسب، بل يتعمدون دفعها إلى حافة الهاوية التي لا حل لها. رمي السودان في لعبة محاور إقليمية ملتهبة، حيث تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات لتصفية حسابات لا أرقام فيها، وحيث يتم تقليص البشر كخسائر جانبية لا أهمية لها. وفي لحظة تاريخية تتطلب اصطفافاً واضحاً خلف السودان، يصر هذا التنظيم الدموي الانتهازي على الارتهان للخارج، وكأن الوطن مجرد ورقة ضغط يتم المساومة بها أو حرقها وفق مقتضيات العقيدة التنظيمية. نحن أمام تنظيم متطرف لا يرى في الدولة إلا أداة ورافعة لصالح حزبه الهالك. وهي لا تعترف بالسيادة إذا تعارضت مع مشروعها المظلم، ولا تتردد في التضحية بالاستقرار إذا كان ذلك يخدم بقائها، والذي تعتمد فلسفته على إبادة الآخرين. الكيزان يعيشون فقط في مناخ التوتر والكراهية والحقد، ولا يثبتون وجودهم إلا من خلال خلق الأزمات والفتنة. إنهم كيان يتغذى على الاستقطاب وسياسة فرق تسد، ويعيد إنتاج نفسه في ظلال الفوضى، وكأن السلام خطر عليهم والاستقرار تهديد لوجودهم. ويعتمد نشاطهم السياسي على إدامة الصراع وإبقاء البلاد في حالة من النيران المستمرة. إن اصطفافهم في خنادق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بغض النظر عن التكلفة التي سيتحملها الجزء الداخلي من الخليج العربي، يكشف عن عقلية لا ترى في السياسة أكثر من مجرد ساحة لمعارك إيديولوجية. ولا يهمهم إذا أدى ذلك إلى استهداف الدول العربية التي يصفونها بالشقيقة والتآمر عليها علناً وسراً، أو تعميق عزلة السودان، أو إدخاله في دوائر عقوبات جديدة. المهم أن يبقى التنظيم وفيا لمحوره، حتى لو احترق الوطن كله من أجل ذلك الولاء الأعمى. وهذا الانحياز ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد متجذر لنهج قديم يعطي الأولوية للعقيدة التنظيمية على الدولة وشعبها، والولاء الأيديولوجي على الانتماء الوطني. والذاكرة لا تُنسى عندما اصطفت نفس الحركة مع النظام العراقي إبان غزوه للكويت عام 1990، متجاهلة الإجماع العربي ووضوح الموقف القانوني والأخلاقي. يومها، كما اليوم، لم يكن السودان هو البوصلة، بل انحياز أعمى، ولو أدى ذلك إلى تعميق الشرخ العربي وإضعاف النظام الإقليمي برمته. واليوم يتكرر نفس المشهد بشكل أخطر. السودان الذي يئن تحت وطأة الحرب والانهيار الاقتصادي والانقسام الداخلي وفقدان الأمن والأمان، يندفع مرة أخرى إلى محور إقليمي مثقل بالعقوبات والصراعات. فبدلاً من العمل على كسر عزلة البلاد، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وفتح النوافذ للتعافي الاقتصادي الحقيقي، فإنهم يعيدون إنتاج سياسات المحاور التي أدخلت السودان في سنوات من الحصار والعقوبات والقيود. والأخطر من ذلك أن هذا السلوك يكشف عن تصور مشوه للدولة نفسها. الدولة في قاموس الكيزان ليست كياناً وطنياً مستقلاً له مصالحه العليا، بل هي منصة تستخدم لخدمة مشروع عابر للحدود. فعندما يتقدم الولاء للتنظيم أو المحور الإقليمي على الولاء للسودان، تتحول السياسة إلى مغامرة بمصير شعب بأكمله، ويصبح الاصطفاف مع أي حزب يشاركه خندقه الأيديولوجي مبررا، مهما كانت نتائجه كارثية داخليا. السودان اليوم لا يحتاج إلى مغامرين جدد أو تجار أزمات أو شعارات تشعل الحماسة وتطفئ الدولة. إنها تحتاج إلى عقل وطني بارد يضع مصلحة السودان فوق كل الاعتبارات، ويعيد تعريف السياسة كمسؤولية، وليس عرضاً أيديولوجياً وشعاراً أجوفاً أجوفاً لا يقتل ذبابة. الأوطان لا تدار بروح الجماعات والهتافات والتعظيم التي لا تصل إلى الحناجر، ولا يحميها التبعية للخارج، ولا تبنى على حسابات ضيقة ترى الخراب وسيلة للبقاء، والموت حياة، والدمار وسيلة للبقاء. إن أخطر ما في انحياز الكيزان لنظام الملالي الإيراني لا يكمن فقط في تداعياته الخارجية، بل أيضا في دلالته الداخلية العميقة والخطيرة. وهو يبعث برسالة واضحة مفادها أن التنظيم فوق الوطن، وأن المحور الإقليمي فوق المصلحة السودانية، وأن السودان ليس إلا كبش فداء يمكن التضحية به كلما تعارض مع حساباتهم الأيديولوجية. ويشير سلوكهم إلى أن التبعية أصبحت معتقدا، وأن الارتباط بالعالم الخارجي أقوى من أي جذور وطنية. يتعاملون مع الوطن وكأنه محطة عابرة على طريق مشروعهم، وليس وطناً يجب الحفاظ عليه، وكأن علاقتهم به مؤقتة تنتهي عند انتهاء الحاجة إليه، دون رابطة انتماء متينة تربطهم، وكأنهم رضعوا من صدر العصيان للعيش والعمل متخفين بثياب الخسة والدناءة. اللعنة ثم اللعنة على كل فأر ملتحٍ رفع سبابته بهتافٍ عالٍ على جسد الأمة. umniaissa@hotmail.com




