اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-12 12:15:00
لقد مر عام على ضم وزارة الري والموارد المائية إلى وزارة الزراعة لتصبح وزارة الزراعة والري. وبعد هذه الفترة، يصبح من الضروري إجراء تقييم علمي وموضوعي لهذه التجربة، لتحديد إيجابياتها وسلبياتها، خاصة أن السودان شهد تجارب مماثلة من قبل. منها فترة الوزير وديع حبشي في عهد الرئيس النميري، وفترة الوزير المصطفى في عهد الإنقاذ، وكذلك فترة الوزير معتز موسى عندما تم ضم وزارة الري إلى الكهرباء. كل هذه التجارب خلصت، بشكل أو بآخر، إلى أهمية وجود وزارة مستقلة سيادية تعنى بالموارد المائية والري. وتنبع أهمية استقلالية هذه الوزارة من أن المياه مورد سيادي يخدم قطاعات متعددة، بما في ذلك الزراعة والكهرباء ومياه الشرب والبيئة. لذلك، يجب إدارتها وفق أسس فنية ومؤسسية محايدة، وعدم تبعيتها لأي من مستخدمي المياه، لتجنب تضارب المصالح بين القطاعات المختلفة. ورغم أنني لست في وضع يسمح لي بإجراء تقييم علمي شامل، خاصة بسبب بعدي عن الوزارة خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع ملاحظتان ملفتان خلال زيارتي الأخيرة للسودان في أبريل الماضي. الأولى كانت أثناء زيارتي لمكتب وزارة الري بولاية كسلا، حيث تبين عدم وجود مياه للاستخدام داخل المكتب بسبب عطل محرك معزز صغير (بوصة واحدة)، ولم يكن من الممكن صيانته لعدم توفر الميزانية. الملاحظة الثانية كانت الانتشار الكثيف لكمائن الطوب حول القناة الرئيسية بالقرب من سنار، وهي وجهتي الأخيرة في تلك الزيارة. هاتان الملاحظتان ليستا مجرد تفاصيل عابرة، بل تعكسان تراجعاً مقلقاً في أوضاع مكاتب الري وسلطات الوزارة الحالية. وبموجب قانون صيانة وتشغيل القناتين الرئيسيتين، يمنع إنشاء أي مرافق داخل حرم القناة، تفادياً لأي معوقات أمام أعمال الصيانة والتشغيل. وقد التزمت وزارة الري بهذه المواصفات الفنية، خاصة في القناتين الرئيسيتين الخارجتين من خزان سنار، منذ ما يقرب من مائة عام. وأي عدم الالتزام بهذه الضوابط قد تكون له عواقب وخيمة، بما في ذلك تآكل الجسور، وتعطيل أعمال الصيانة، واحتمال تدفق المياه إلى خارج القناة. ويكفي أن نعرف أن قناة رئيسية واحدة تمر بها أكثر من 15 مليون متر مكعب من المياه يوميا لندرك حجم المخاطر المحتملة. لكن أخطر ما في هذه الفوضى هو إمكانية فقدان المعرفة المؤسسية المتراكمة داخل وزارة الري، وهي المعرفة التي تمتد لأكثر من قرن وتشمل جميع المستويات: من أصغر العامل، إلى الفنيين المسؤولين عن التشغيل والصيانة، إلى المهندسين المعنيين بتخطيط وتصميم وإدارة الموارد المائية بشكل عام. إن المؤسسات لا تبنى بالهياكل الإدارية وحدها، بل بالخبرات المتراكمة، والذاكرة التقنية، والانضباط المؤسسي، وسلاسل العمل التي تتوارثها الأجيال. ولعل تجربة نقل مسؤولية مياه الشرب إلى الولايات مطلع التسعينيات، بشكل مرتجل ومن دون دراسة كافية، وفق القرار 1155، تقدم مثالاً واضحاً على الآثار السلبية للقرارات الإدارية غير المدروسة في قطاع المياه. وامتدت آثار ذلك القرار حتى اليوم. وفي بعض المناطق، مثل سنار، عادت العربات لجلب المياه مباشرة من القناة، دون أي معالجة، في مشهد يعكس مدى تراجع خدمات مياه الشرب في السودان. وهذا يعني ببساطة أن تراجع وزارة الري لا يقتصر على ضعف إداري عابر، بل يعني تراجعاً في قدرة الخبرات الوطنية على تصميم وتنفيذ وتشغيل مشاريع الري في المستقبل. وإذا لم يستغل السودان حصته الكاملة من مياه النيل خلال العقود الماضية، فإن هذا التحدي سيصبح أكثر تعقيدا مع تراجع المساحات المروية واتساع الفجوة بين الحقوق المائية والاستهلاك الفعلي. وهذه مغامرة كبيرة فيما يتعلق بحقوق السودان المائية، وقد تخلق تحديات استراتيجية خطيرة في المستقبل. ويجب أن نتذكر أن هذه الوزارة نفسها هي التي خططت ونفذت مشاريع الري الكبرى في السودان بعد الاستقلال. مشروع المناقيل بمساحة مليون فدان تم تنفيذه مطلع الستينيات بمساعدة محدودة من شركات خارجية. وبعد ذلك تم تنفيذ مشروع حلفا الزراعي بمساحة 420 ألف فدان. وفي السبعينيات، وبخبرة سودانية كاملة في التخطيط والتصميم والتنفيذ، تم إنشاء مشروع الرهد الزراعي بمساحة 300 ألف فدان، إلى جانب مشاريع السكر في كنانة وعسلية وسنار، ومئات الآلاف من الأفدنة في مشاريع الري في الولايات على ضفاف النيل الأزرق والنيل الأبيض والنيل الرئيسي. وفي جانب المياه العابرة للحدود، ظل الكادر السوداني متميزا، وقدم مساهمات واضحة في حماية حقوق السودان المائية في ظل المنافسة الشديدة على المياه، مع دعمه الدائم للتعاون والعمل المشترك. من بين دول حوض النيل. وكانت وزارة الري طوال تاريخها مؤسسة فنية وسيادية في نفس الوقت، تجمع بين المعرفة الهندسية والخبرة التفاوضية والوعي الاستراتيجي بأهمية المياه في مستقبل السودان. لكن السؤال المهم اليوم هو: أين كوادر وزارة الري الآن؟ قد تكون الإجابة مرتبطة بظروف الحرب الاستثنائية، وهجرة الكوادر المؤهلة، وعزوف الخريجين الجدد عن العمل في الوزارات الحكومية. لكن لا بد من التأكيد على أن معركة المياه في السودان – من مياه الشرب للمواطنين، إلى مياه الري للزراعة، إلى خزانات المياه لتوليد الكهرباء – لا تقل أهمية عن معارك تحرير الأراضي السودانية. إن إضعاف وزارة الري، وتفكيك خبراتها المؤسسية المتراكمة، له انعكاسات استراتيجية خطيرة على مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السودان، خاصة في وقت يتزايد فيه الصراع على الموارد المائية بشكل غير مسبوق. ولم تعد المياه مجرد مورد خدمي، بل أصبحت عنصرا أساسيا في الأمن الوطني والسيادة والغذاء والطاقة والاستقرار الاجتماعي. لذا، لا بد من إجراء تقييم علمي عاجل لقرار ضم وزارة الري والموارد المائية إلى وزارة الزراعة، والبدء فوراً في معالجة أخطر آثاره، وأبرزها هجرة الكوادر المؤهلة، وإحجام آخرين عن العمل في بيئة أصبحت جاذبة للمواهب. والمطلوب ليس مجرد إعادة ترتيب إداري، بل استعادة وزارة الري مكانتها كمؤسسة سيادية مستقلة قادرة على حماية موارد السودان المائية، وتطوير مشاريعه، والحفاظ على حقوقه للأجيال القادمة. الأستاذ ياسر عباس وزير الري والموارد المائية الأسبق 11 يونيو 2026 الكاتب



![السودان – كبسولات في عين العاصفة : الرسالة رقم [ 295 ]](https://sudanile.com/wp-content/uploads/2026/01/omerhojg.jpg)
