اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-22 14:24:00
زهير عثمان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سنة جديدة سعيدة. بداية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى كافة الأصدقاء والفاعلين في المجال السياسي الذين وضعوا فيّ هذه الثقة وكلفوني بهذه المهمة. أنا لا أتعامل مع هذه المهمة كرد عابر، بل كمساهمة في نقاش عام أصبح أكثر توترا، وأكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى درجة من الانضباط السياسي والمنهجي. كما أقدر الثقة التي حظيت بمقترحي، باعتباره جهدا للحفاظ على مسافة نقدية متوازنة بين مختلف الفاعلين، دون الانزلاق إلى الاصطفاف أو التبسيط، وهي مسافة أصبحت للأسف نادرة في المناقشات التي تجري بين الكتاب السودانيين في ظل هذا الاستقطاب الحاد. وهذا الرد لا يستهدف أفرادا، بل يفكك أسلوبا في التفكير كان يميل إلى استبدال التحليل بالوصف، واستبدال التعقيد السياسي بأحكام جاهزة. مقدمة عندما يتحول النقد إلى مساواة. يأتي مقال الأستاذ طارق بشري في لحظة سياسية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع الحرب مع الانقسام السياسي، وتتراجع القدرة على إنتاج خطاب دقيق لصالح الأحكام الشاملة من نوع ما. كلهم سواء، لكن المشكلة هي أن الحقيقة لا تكمن في النقد، بل في تحويل النقد إلى أداة لمحو الاختلافات الجوهرية. فرضية التوافق بين الحركة الإسلامية وائتلاف “الصمود” ليست مجرد قراءة، بل هي إعادة صياغة للمشهد السياسي نفسه بما يفرغه من تناقضاته الحقيقية. وهذا الطرح لا يكتفي بوصف الواقع، بل يخلق واقعاً موازياً تكون نتيجته إضعاف أي أفق لبناء البديل المدني وإعادة إنتاج حالة العدمية السياسية وترك المجال فارغاً لصالح قوى الأمر الواقع. أولاً: الخلل في المنهج عند اختلاط مستويات التحليل. والقول بأن هناك مراسلات بين الكيزان والصمود تقوم على خلط جوهري بين مستويين مختلفين: نظام شمولي يملك الدولة ويعيد تشكيلها وفق مصالحه. تحالف مدني هش نشأ في سياق انتقالي مضطرب ولم يكن يملك أدوات السيطرة. وحكمت الحركة الإسلامية ثلاثة عقود وسيطرت على الاقتصاد والأمن وأعادت هندسة الدولة والمجتمع. أما الصمود ككيان سياسي مدني، فلم تكن تمتلك سلطة الدولة، ولم تنجح حتى في بناء التماسك الداخلي الكافي. وتجلت أزمتها بشكل رئيسي في ضعف التنظيم والتقدير السياسي. فالمساواة بين الطرفين ليست مجرد مبالغة، بل هي إلغاء. للخلافات التي يرتكز عليها أي تحليل سياسي جدي. ثانيا، عندما يتم استدعاء التحليل الطبقي، يتم إهماله. والمفارقة أن المقال يستند إلى مراجع ماركسية، لكنه لا يطبقها. وبحسب التحليل الطبقي، تمثل الحركة الإسلامية الرأسمالية الطفيلية العسكرية، بينما تمثل قوى «الصمود» -رغم تناقضاتها- فضاء مدنيا للطبقتين المتوسطة والمهنية. التناقض بين الطرفين ليس تفصيلياً، بل هو تناقض بنيوي في المصالح والموقع في الدولة. إن استبدال هذا التناقض بفكرة “الهوية” لا يؤدي إلى تبسيط الواقع فحسب، بل يجوفه أيضًا. إن النهج الماركسي نفسه يعتمد على محتواه. ثالثاً، التجربة الانتقالية بين الفشل والتوصيف التعسفي. قد تكون الفترة الانتقالية واجبة، لكن تحويلها إلى دليل «تطابق» هو قفزة فوق الحقائق. واختلال ميزان القوى لصالح الجيش. وكانت القوات المدنية مفككة. الضغوط الإقليمية والدولية تدفع نحو التسوية. لذلك، يمكن قراءة ما حدث على أنه ضعف سياسي وسوء تقدير، وليس على أنه تواطؤ أو امتثال. الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى نتيجة خطيرة. يتم إدانة أي تجربة مدنية غير مكتملة باعتبارها امتدادا للنظام القديم. لكن الخطر لا يكمن في قراءة الماضي فحسب، بل في ما تفعله هذه القراءة بالحاضر رابعا، لجنة التفكيك بين انتقاد الآليات وشيطنة الفكرة إن قرار إعادة تفعيل لجنة التفكيك يمكن – ويجب – انتقاده من حيث التوقيت والشفافية وآليات العمل، لكن تحويله إلى دليل على المطابقة يتجاهل حقيقة واضحة: أي ضرر لبنية النظام القديم يضر بمصالحه بشكل مباشر، فكيف يصبح الفعل الذي يهدد تلك المصالح دليلا على التماهي معها؟ وهذا ليس خلافا سياسيا، بل هو تناقض في منطق التعليل نفسه. خامساً: خطاب الامتثال هو أقصر طريق للإلغاء. سياسة: أخطر آثار هذا الاقتراح هو نتائجه العملية: إفراغ المجال المدني من شرعيته، وتعميم اليأس السياسي، وتعزيز رواية عدم وجود بديل. وهنا يتحول الخطاب، ربما عن غير قصد، إلى غطاء موضوعي لاستمرار توازن القوى القائم بين الراديكالية الخطابية والمسؤولية السياسية. فليس كل كلام حاد كلاما عميقا، وليس كل استخدام للمفاهيم دليلا على صحة التحليل. هناك فرق حاسم بين التحليل الذي يفتح أفقاً للعمل السياسي والخطاب الذي يغلق هذا الأفق تماماً، ومن الواضح أن خطاب «التوافق» ينتمي إلى النوع الثاني. المطلوب اليوم ليس التصعيد. اللغة، بل الارتقاء بأدوات الفهم، والانتقال من التعميم إلى التمييز، ومن الاتهام إلى التحليل، ومن العاطفة إلى المسؤولية، لأن السودان، في هذه اللحظة الحرجة، لا يحتاج إلى خطابات تبدو ثورية في الظاهر، لكنها عملياً تنتهي إلى إعادة إنتاج العجز السياسي. وفي النهاية أشكر صديقي طارق بشري على ما اقترحه من تقديم شهادة للفضاء السياسي، وهي بالفعل كلمات نقدية ضرورية. zuhair.osman@aol.com




