اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-07 14:54:00
بقلم: د. عبد المنعم عبد المحمود العربي، أنا سوداني مقيم، أعمل في إنجلترا، وأزور السودان كل عام. خلال زياراتي كنت أرى نهر النيل الذي أحببته يمر كل يوم، وندمت لأنني لم أتمكن من الجلوس تحت ظل شجرة مريحة وشجرة على ضفتيه. وهذه ليست مبالغة، بل هي مفارقة الخرطوم الصادمة. مدينة بين نهرين كبيرين تعاني من العطش الأخضر. وفي حين أن لندن التي بنيت على نهر صغير «حولت جزءا كبيرا من مساحتها إلى حدائق»، فإن عاصمتنا تلهث تحت الغابات الخرسانية وتعاني من الحرارة وازدحام الشوارع الضيقة. متى يصبح النيل الذي يقسم قلبها، بكل راحة ورحابة، مكانًا منعشًا؟ الحياة والبهجة في قلب كل مواطن وكل زائر، وليس مجرد مشهد نمر به ونمر به؟ والأشجار في شارع النيل وغيره من الأماكن هي ما تبقى من تراث الإنجليز في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، وفي الخرطوم بحري الساحات الضخمة والمتعددة التي خططت لها الدولة عندما ظهر تحويل مشروع كافوري إلى أراضٍ سكنية. لقد كانت خطة مرسومة على الورق وكانت جذابة وأنيقة للغاية. لقد دفعنا نحن التكنوقراط المغتربين إلى التسابق وشراء قطع الغيار بالدولار بالإضافة إلى تكلفة ما يسمى بالخدمات. لكن مع مرور الوقت ومع الفساد الذي انتشر مؤخراً في الدولة كالنار في الهشيم، اختفت مجالات كثيرة للأسف. والأدهى والأدهى أن الذين بنوا بيوتهم على أرض تلك الساحات لم يخافوا الله، حتى أنهم استولوا على مناطق من الشوارع المؤدية إلى تلك الساحات، بل أغلقوها بزراعة الأشجار. وبحسب التخطيط، كان الهدف الثقافي هو الحفاظ على هذه الساحات بحيث يمكن تحويلها إلى مساحات خضراء وحدائق وملاعب ورياض أطفال. كل هذا لم يحدث بسبب عدم وجود رقيب محاسبي. ومن تجربتي الشخصية في الحياة هنا في إنجلترا والسويد منذ عقود، لا بد من البدء بإبراز أهمية الساحات والميادين العامة والخضراء في المدن والأحياء السكنية. الفوائد الرئيسية: الصحة النفسية والجسدية: توفير مساحات خضراء للترفيه وممارسة الرياضة والتواصل الاجتماعي مما يحسن مستوى الصحة العامة للأطفال والكبار. قديماً قالوا: “الماء، والخضرة، وحسن الوجه.. ثلاث يذهبن الحزن عن الإنسان”! الاستدامة البيئية: تنقية الهواء، وخفض الحرارة الحضرية، ودعم التنوع البيولوجي التماسك الاجتماعي: تشجيع التفاعل بين مختلف فئات المجتمع وتعزيز الروابط الاجتماعية السلامة العامة: الحد من الجريمة عن طريق زيادة عيون المراقبة (نظرية النوافذ المكسورة) القيمة الاقتصادية: رفع قيمة العقارات المحيطة وجذب الاستثمارات السياحية والتجارية المرونة الحضرية: استخدامها كمناطق “تجمع إنقاذ” في حالات الطوارئ والكوارث من المسؤول، الدولة أم المجتمع؟ . فالمسؤولية مشتركة ومتكاملة. دور الدولة (الحكومة المحلية والمركزية) لأنها هي التي تثقل كاهل المواطن بالضرائب: التخطيط العمراني وتخصيص المساحات التمويل والتنفيذ والصيانة الأساسية وضع المعايير والأنظمة ضمان العدالة في توزيعها بين الأحياء المختلفة دور المجتمع (الأفراد والمؤسسات المدنية): المشاركة في التصميم والرعاية المجتمعية الاستخدام المسؤول والحفاظ على المرافق المبادرات التطوعية للصيانة والتحسين مراقبة المجتمع ومقترحات التنمية النموذج المثالي: الأكثر نجاحا هو نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص قطاعات المجتمع المدني، حيث تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية في التخطيط والإنشاء، فيما يشارك المجتمع في الإدارة والصيانة والاستخدام الأمثل، مع إمكانية مشاركة القطاع الخاص في التمويل والإدارة مع ضوابط تضمن استمرارية وصول الجمهور إلى هذه الفضاءات. وتعتبر هذه المساحات الخضراء وغيرها من الخدمات الأساسية التي تساهم في جودة الحياة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لذا فهي مسؤولية وطنية بمشاركة مجتمعية. إنجلترا بلد صغير مقارنة بدول الغرب وأفريقيا، لكنها قدرت قيمة الطبيعة ووضعتها في قلب التخطيط الحضري. تم تحويل ستين بالمائة من أراضيها إلى مساحات خضراء. والغرض من ذلك هو أن يتنفس البشر وحتى حيواناتهم. ولذلك تنعكس أهمية المساحات الخضراء في تأثيرها النفسي المتمثل في تنشيط البهجة والسرور والراحة النفسية، وكذلك ممارسة بعض أنواع الرياضة، مثل المشي والركض. كما أنه يفيد البالغين الذين هم في مرحلة يحتاجون فيها إلى أماكن يجدون فيها الراحة والهدوء والاسترخاء واستنشاق الهواء النقي. تشجع المساحات الخضراء على تكاثر الطيور وحتى الحشرات الجميلة مثل الفراشات والنحل وغيرها، وقد تتخلل المساحات الخضراء بحيرات صناعية تتكاثر فيها الأسماك والطيور البرمائية. إن ذكر إنجلترا كمثال يلفت الانتباه إلى أمرين مهمين: الأول هو «الكيف وليس الكم». فالأمر لا يتعلق بحجم البلد، بل يتعلق بالإرادة في التخطيط ووضع البيئة والصحة العامة كأولوية قصوى. اختارت إنجلترا أن تخصص مساحة كبيرة من أراضيها للمساحات الخضراء، وهذا قرار استراتيجي. والثاني هو “النظرة المتكاملة للبيئة”: المساحات الخضراء ليست مجرد “ديكور”، بل هي نظام بيئي متكامل، كما ذكرت أعلاه، “مكان يتنفس فيه الإنسان، وتعيش فيه الحيوانات (الطيور والنحل والفراشات)، وحيث تتوازن المياه (البحيرات الاصطناعية) مع النباتات والحيوانات (الأسماك والبرمائيات)”. هذه وجهة نظر للتنمية الحضرية المستدامة والمبنية على الطبيعة. المساحات الخضراء ليست رفاهية، بل ضرورة صحية ونفسية وبيئية. وقد أدركت إنجلترا، باعتبارها دولة صناعية متقدمة، هذا الأمر في وقت مبكر وعملت على أساسه. والسؤال المهم الآن هو: كيف يمكن لدول ومجتمعات أخرى، “هنا أقصد السودان”، بغض النظر عن حجمها أو ثرواتها، أن تتعلم من هذا النموذج وتدمج الطبيعة وفوائدها في نسيج مدنها من أجل صحة وسعادة سكانها؟ “يتبع…….” العربي AA © سودانايل فبراير 2026 aa76@me.com




