اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 12:15:00
زهير عثمان لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف تتنافس على السيطرة على العاصمة. بل تحول تدريجياً إلى صراع وجودي حول مسألة الدولة نفسها – من له الحق في تحديد الشرعية؟ ومن يحق له أن يتحدث باسم السودان في لحظة انهيار المركز وتعدد مراكز القوى على الأرض؟ وفي قلب هذه المعركة، برزت «هياكل الحكم الموازية» كأخطر تطور سياسي في مسار الحرب، ليس كترتيبات إدارية، بل كمحاولة صريحة لنقل ميزان القوى من المجال العسكري إلى فضاء الشرعية السياسية. ومنذ إعلان “حكومة السلام والوحدة” في يوليو/تموز 2025، سعى التحالف السياسي العسكري (بقيادة قوات الدعم السريع والأحزاب المتحالفة معها) إلى إنشاء سلطة بديلة في مواجهة سلطة الخرطوم. ولم تكن هذه المحاولة عفوية، بل استندت إلى استراتيجية رباعية الأبعاد: تحويل السيطرة الميدانية إلى شرعية سياسية مستقرة، واكتساب الاعتراف الإقليمي، والسيطرة على الموارد الحيوية، وأخيرا إعادة صياغة نموذج الدولة من المركزية التقليدية إلى كيان مجزأ تدار مناطقه كسلطات شبه مستقلة. لكن خطورة هذا المسار لا تكمن في طموحه السياسي فحسب، بل في تأثيره البنيوي على فكرة «الدولة السودانية» نفسها. إن انتقال الصراع من كونه نزاعاً على السلطة إلى صراع على تعريف الدولة وحدودها، يعرض البلاد لخطر التفكك. مؤسساتية شاملة وهنا جاء بيان الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي، والإيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة)، الصادر في أديس أبابا في يونيو/حزيران 2026، ليشكل نقطة تحول محورية في الخطاب الدولي. ولم يكتف البيان بالدعوة التقليدية لاحترام سيادة السودان، بل انتقل إلى صياغة أكثر حسما عندما رفض صراحة “أي محاولات لفرض هياكل حكم موازية قد تؤدي إلى تفتيت الدولة السودانية”. هذا التحول اللغوي ليس تفصيلا دبلوماسيا، بل هو إعلان دولي لإزالة تغطية أي سلطات فعلية، والبيان مرتبط عضويا بالسيادة ورفض التوازي السياسي، مما يعني أن الشرعية الدولية لم تعد تستمد من القوة الميدانية، بل من الانسجام مع مفهوم الدولة الواحدة. وهذا الموقف وضع القوى السياسية والإقليمية أمام خيارات واضحة. داخلياً، يبعث برسالة مفادها أن زمن «الشرعية الميدانية» من دون إطار وطني بدأ في التراجع، وأن السيطرة الجغرافية لم تعد كافية لكسب الاعتراف. وعلى المستوى الخارجي، فهو يمثل تحذيراً ضمنياً بأن أي دعم لهياكل موازية سوف يُقرأ باعتباره خروجاً عن الموقف الدولي الجماعي، الأمر الذي يزيد من التكلفة السياسية لأي تدخل يؤدي إلى تعميق الانقسام. ومع ذلك، يبقى السؤال المركزي: هل يمكن للنصوص الدولية أن تعيد تشكيل واقع تتشابك فيه الأسلحة مع الانهيار المؤسسي؟ وتظهر التجارب السودانية أن الفجوة بين القرارات الدولية والواقع الميداني غالبا ما تكون واسعة، وأن قدرة التصريحات على تغيير مسار الصراع تظل محدودة ما لم تصاحبها إرادة سياسية داخلية تدرك أن الدولة المتشرذمة خسارة للجميع. وعلى الرغم من هذا التحدي، فإن أهمية بيان أديس أبابا لا يمكن الاستهانة بها، لأنه يعيد ضبط الإطار المرجعي الذي يمكن من خلاله فهم التحركات السياسية المستقبلية. فهو يضع معياراً جديداً: أي مشروع سياسي لا يتوافق مع وحدة الدولة لا يُنظر إليه كخيار تفاوضي، بل كعامل تهديد بنيوي. باختصار، يقف السودان اليوم أمام لحظة إعادة تعريف كبرى. بين مشاريع تسعى إلى إنشاء سلطات موازية على الأرض، وموقف دولي يعيد التأكيد على وحدة الدولة كشرط للشرعية، تتشكل ملامح صراع جديد لا يتعلق فقط بمن يحكم السودان، بل بطبيعة «السودان» نفسها. إنها معركة بين نموذجين – نموذج يسعى إلى إعادة إنتاج الدولة ضمن حدودها التقليدية رغم… هشاشتها، ونموذج يراهن على تفكيك مركزها لصالح كيانات موازية. وبين هذين النموذجين لا تتحدد نتيجة الصراع فحسب، بل تتحدد أيضا ملامح السودان الذي سيخرج من أتون هذه الحرب.zuhair.osman@aol.com الكاتب




