اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-12 10:55:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي في الحروب لا تتغير المعادلات السياسية وحدها، بل تتغير معها المعادلات الاقتصادية. فالحرب بطبيعتها تعيد ترتيب حركة المال والعمل، وتخلق واقعاً اقتصادياً جديداً تحكمه الضرورة بقدر ما تحكمه الفوضى. أنتجت السنوات الماضية ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الحرب”، وهو نمط اقتصادي يظهر عندما تتراجع مؤسسات الدولة وتتآكل قدرتها على تنظيم النشاط الاقتصادي. وفي مثل هذه البيئات تتقدم الأنشطة غير الرسمية، ويتوسع التهريب وشبكات التجارة الموازية، وتتحول حركة الأموال من الإنتاج إلى الربح السريع. وقد تبدو هذه الظواهر جزءا من آليات مواجهة الأزمة، لكنها تتحول بعد ذلك إلى عائق حقيقي أمام تعافي الاقتصاد، لأنها تعيد تشكيل مراكز القوة الاقتصادية خارج الأطر المؤسسية للدولة. ومن هنا فإن التحدي الذي يواجه بلادنا اليوم لا يقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يتعدى ذلك إلى استعادة سيطرة الدولة على الفضاء الاقتصادي. إن إعادة الإعمار هي في الأساس إعادة تشغيل دورة الإنتاج. المياه والطرق والكهرباء شروط ضرورية لعودة الاقتصاد إلى نشاطه الطبيعي والتعافي وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة. ولذلك من المهم في هذه المرحلة الحديث عن الزراعة باعتبارها أحد المفاتيح التاريخية للاقتصاد السوداني. ويمتلك السودان، الذي يوصف منذ عقود بأنه سلة غذاء العالم العربي وجيرانه، من الأراضي والموارد المائية والإمكانات البشرية التي تؤهله لجعل الزراعة قاعدة حقيقية للنمو الاقتصادي. إلا أن هذا القطاع الحيوي تعرض خلال السنوات الماضية إلى قدر كبير من التراجع نتيجة الحرب واضطراب السياسات وضعف الاستثمار وتآكل البنية التحتية التي أدارت العملية الإنتاجية. ولذلك فإن الحديث عن الزراعة في هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الإنتاج فحسب، بل ينبغي النظر إليها كجزء من عملية إعادة تنظيم الموارد الوطنية. وكثيراً ما يعاني السودان، رغم موارده الطبيعية الهائلة، من غياب رؤية اقتصادية متماسكة تربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة والتجارة الخارجية. وفي هذا السياق، فإن الخطوة التي أعلنها أمس وزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قريشي بتشكيل لجنة وطنية دائمة للقطن وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لتطوير سلسلة قيمة القطن للفترة (2026-2030)، تكتسب أهمية هامة وخطيرة تعكس وعي الحكومة بأهمية إعادة بناء الاقتصاد، والذي يبدأ بتنظيم الموارد الوطنية وتوجيهها نحو الإنتاج. في التاريخ الاقتصادي للسودان، لم يكن القطن مجرد محصول زراعي، بل كان جزءًا من هوية الاقتصاد الوطني. ومن خلاله تشكلت الصناعات، وظهرت المدن، وارتبط السودان بالأسواق العالمية. لكن هذا الدور تراجع خلال العقود الماضية نتيجة اختلال توازن السياسات وضعف الإدارة وانهيار البنية التحتية وتداعيات الحرب التي أثرت على القطاع الزراعي. ولذلك، فإن حديث الوزير عن سلسلة قيمة القطن يعكس تحولاً مهماً في التفكير الاقتصادي في البلاد. ولم تعد القضية مجرد زيادة المساحات المزروعة، بل بناء نظام متكامل يبدأ بالبذور والإنتاج، ويمر بالتصنيع، وينتهي بالتسويق العالمي والقيمة المضافة. وهذا التحول، إذا تم تنفيذه بشكل جيد، يمكن أن يعيد القطن السوداني إلى مكانته التاريخية كمصدر مهم للدخل القومي. إلا أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يعتمد على السياسات القطاعية وحدها، بل يرتبط بسؤال مهم يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد. تؤكد التجارب الأخيرة أن التنمية المستدامة لا تقوم على الدولة وحدها، ولا يمكن تركها بالكامل لقوى السوق. والمطلوب هو صيغة متوازنة تحدد فيها الدولة الرؤية الاستراتيجية وتوفر البيئة التنظيمية، فيما يتحرك القطاع الخاص بمرونة في استثمار قدرته على التطوير والابتكار. وفي المجتمعات الخارجة من الحرب، تكتسب التنمية الزراعية بعدا سياسيا يتجاوز الحسابات الاقتصادية. ولا توفر الزراعة الغذاء وفرص العمل فحسب، بل تساهم أيضًا في إعادة الاستقرار للمجتمعات المحلية والريفية، وتعيد ربط الناس بأراضيهم ومصدر رزقهم، وتفتح الطريق أمام اقتصاد حقيقي يعتمد على الإنتاج، وليس اقتصاد الظل. ولذلك فإن معركة السودان القادمة ليست في ساحة المعركة، بل في مجالات الاقتصاد والإنتاج. إن الدولة التي تنجح في تحويل مواردها الزراعية إلى قوة اقتصادية قد أرست أساساً متيناً للاستقرار السياسي. ولا يمكن تجاهل السياق الإقليمي والدولي. السودان اليوم جزء من نظام اقتصادي عالمي، وتتأثر أسواق القطن والذهب والطاقة بالتحولات الإقليمية والعالمية. وهذا يضع الدولة أمام مسؤولية صياغة السياسات القادرة على حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات السوق العالمية، وفي الوقت نفسه تحفيز الإنتاج المحلي بما يضمن القيمة المضافة للمنافسة. إن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التنمية ليس مجرد تحول اقتصادي، بل هو قرار سياسي واجتماعي يتعلق بشكل الدولة التي يريدها السودانيون لأنفسهم. وطن يستعيد قدرته على إدارة موارده، ويعيد احترام قيمة العمل والإنتاج، ويفتح الطريق أمام اقتصاد قادر على خلق فرص العمل وإدارة الثروات بما يحقق التنمية الاجتماعية المستدامة. وفي هذه اللحظة التاريخية، بحسب #وجه_الحقيقة، يقف السودان أمام فرصة واعدة. فإما أن تظل أسيرة اقتصاد يتشكل في ظل الفوضى والصراع، أو ستفتح الباب أمام مشروع وطني جديد تعود فيه الأرض إلى الإنتاج، وتعود الزراعة لتكون إحدى ركائز بناء الدولة واستقرارها وأمنها. دمتم بخير وعافية. الثلاثاء 10 مارس 2026م Shglawi55@gmail.com




