اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-03 13:56:00
د. محمد عبد اللهفي أحد مكاتب الخدمة العامة بالخرطوم. المعاملات لا تسير دائمًا وفقًا للدوران. هناك طريقان: أحدهما طويل ومزدحم، والآخر أقصر بكثير، لكنه غير مكتوب على الجدران. لا يحتاج إلى إشارة؛ يكفي أن يهمس لك أحدهم: “الأمر بسيط”. في تلك اللحظة، أنت لا تواجه انتهاكا فرديا بقدر ما تواجه نظاما كاملا يعمل بصمت. هذا هو المكان الذي تبدأ فيه القصة. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الفساد في السودان لا يقل فتكاً عن الحرب الأهلية، بل وربما أكثر غدراً. فالحرب تُرى وتُدان، بينما الفساد يعمل في الظل. إنه يقتل ببطء، ويقوض الدول من الداخل بينما تبدو وكأنها واقفة على أقدامها. فهو يتسلل على شكل إجراء إداري، أو توقيع رسمي، أو صفقة لا يتم التشكيك في مصدرها. وفي الحالة السودانية، لم يعد الفساد استثناءً، بل أصبح قاعدة شبه مستقرة، أقرب إلى نمط غير معلن من الحكم. وتشير بيانات منظمة الشفافية الدولية إلى أن السودان يحتل ذيل قائمة الدول الأكثر فسادا، حيث سجل حوالي أربع عشرة نقطة فقط من أصل مائة في مؤشر مدركات الفساد، ويحتل المرتبة ما يقرب من مائة وخمسة وسبعين من أصل مائة وثمانين دولة. وهذا الرقم لا يعني الضعف الإداري فحسب، بل يعكس تآكلا عميقا في فكرة النزاهة العامة نفسها، حيث أصبحت الرشوة والوساطة وتسييس المؤسسات جزءا طبيعيا من تفاصيل الحياة. وهذا الواقع لم ينشأ فجأة. الفساد في السودان هو نتيجة للتداخل الطويل بين السلطة والثروة. غابت الدولة المؤسسية، وضعف الجهاز البيروقراطي، وتراجعت الشفافية، مما فتح الباب على مصراعيه للتلاعب بالمال العام. ومع مرور الوقت، لم يعد الاقتصاد مجالاً مستقلاً، بل أصبح امتداداً مباشراً للسلطة، حيث يتم توزيع الفرص وفق معايير الولاء، وليس الكفاءة. لكن الأخطر من حجم الفساد هو الاعتياد عليه. فالمساءلة نادرة، وأحياناً تكون غائبة تماماً. وفي كثير من الأحيان لا تتم محاسبة المسؤول الفاسد، بل قد يتم إعادة تدويره إلى منصب جديد. وعلى هذا الأساس، لا يمكن إرجاع الظاهرة إلى جهة واحدة، فهي شبكة مصالح متشابكة: العسكريون الذين يسيطرون على قطاعات اقتصادية كبيرة خارج الميزانية، والإسلاميون الذين أسسوا خلال سنوات حكمهم سياسة “التمكين”، وأجهزة أمنية تجاوزت دورها التقليدي لتصبح لاعبا اقتصاديا وسياسيا، إضافة إلى قوة شرطية لم تسلم من مظاهر الرشوة في التعاملات اليومية. وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب في السودان حدثاً منعزلاً، بل نتيجة طبيعية لعملية طويلة. فالفساد يضعف الدولة، ويفكك مؤسساتها، ويدفع مراكز القوى داخلها إلى المنافسة بدلاً من التكامل. ومع تضارب المصالح تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع. هكذا تتغذى الحرب على الفساد، والفساد يتغذى على الحرب، في دائرة مغلقة. ومع ذلك، فإن التجربة الإنسانية لا تفتقر إلى الأمثلة المضادة. لقد نجحت دول عديدة في الحد من الفساد، ليس من خلال الشعارات، بل من خلال تدابير واضحة: قضاء مستقل، وأنظمة رقمية تقلل الاحتكاك المباشر، وإعلام حر قادر على الفضح، وحماية المبلغين، والفصل الحقيقي بين السلطة والثروة. هذه ليست وصفات مثالية، ولكنها أدوات مجربة. أما السودان، فإن الخروج من هذا النفق لا يكون بقرارات من الأعلى إلى الأسفل أو بحملات موسمية، بل بإعادة بناء الدولة نفسها: مؤسسات مستقلة غير تابعة للأفراد، ورقابة مدنية على النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وتفكيك شبكات التمكين وليس استبدالها، وتشريعات صارمة تحكم تضارب المصالح، بالإضافة إلى إطلاق اليد للقضاء والصحافة. وكل هذا يتوقف على الإرادة السياسية الحقيقية ــ وهي العملة الأكثر ندرة على الإطلاق. قد تنتهي الحروب بتوقيع اتفاق، لكن الفساد لا ينتهي إلا بعد تغيير القواعد التي تسمح له بالازدهار. في السودان، يبدو أن المعركة الأعمق لا يجب خوضها في الميدان فحسب، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدأ بهمس: «الأمر بسيط»… وتنتهي ببلد يُنهب ببطء. muhammedbabiker@aol.co.uk




