اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-31 11:15:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي يحتفل العالم في 27 مارس من كل عام باليوم العالمي للمسرح، حيث يتم عادة اختيار شخصية مسرحية بارزة لكتابة كلمة يتم تعميمها على المؤسسات المسرحية. وفي السودان، ألقى الأستاذ سعد يوسف عبيد، الكاتب المسرحي والعميد السابق لكلية الموسيقى والدراما، كلمة الاحتفال في المركز الثقافي بأم درمان، مؤكداً أن المسرح لم يكن يوماً مجرد عرض، بل كان مساحة للوعي المجتمعي والمقاومة وجسراً للتلاحم الثقافي والاجتماعي. وشهد الاحتفال حضور والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ووكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة الاتحادية د.جراهام عبد القادر، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم السيد الطيب سعد، والمدير التنفيذي لمحلية أم درمان الأستاذ سيف الدين مختار، إلى جانب ممثل والي إقليم دارفور م.عمر بخيت، وفريق إعمار المسرح ممثلاً بـ د.طارق البحر. ورغم أن الاحتفال كان من الأفضل أن يقام في مقر المسرح القومي بأم درمان، لأن المكان يحمل رمزية ثقافية وتاريخية وجاهز لمثل هذا الحدث. ولا يقتصر الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في هذا الوقت على كونه مناسبة ثقافية، بل يمتد إلى دلالات اجتماعية وسياسية. ويحمل المسرح في السودان مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود المشهد الجمالي ليصل إلى المسؤولية الأخلاقية، ليقوم بدوره الحقيقي كقوة فاعلة في تشكيل الوعي والمساهمة في مشروع إعادة بناء الدولة بعد تداعيات الحرب. إن تسمية المسرح في هذا الوقت تحمل دلالات مختلفة. الدولة التي تعيد فتح منصاتها الثقافية وتحيي دور المسرح، تبعث برسالة في اتجاهين: الأول إلى الداخل، أن الحياة العامة لم تنهار رغم الحرب، والثاني إلى الخارج، أن السودان لا يزال قادراً على إنتاج خطابه الثقافي وتقديم نفسه كفاعل حضاري. إلا أن هذه الرسالة، على أهميتها، تظل ناقصة ما لم تتحول من مجرد خطاب احتفالي إلى مشروع توعوي متكامل. تاريخياً، لم يكن المسرح السوداني مجرد منصة للترفيه، بل كان أداة للمقاومة ومساحة لتشكيل الضمير الجماعي. وفي مواجهة الاستعمار البريطاني، ساهمت في تعبئة الجماهير وتحقيق الاستقلال، وأصبحت في فترات لاحقة، خاصة في عهد مايو، مرآة تعكس تحولات السلطة وتناقضاتها. أثبتت تلك المرحلة، رغم تعقيداتها، أن ازدهار المسرح لا يرتبط فقط بالحريات أو الموارد، بل بإحساس المبدع بالمسؤولية تجاه مجتمعه. لكن الواقع الحالي يكشف عن مفارقة لافتة: احتفال رسمي بالمسرح، يقابله تراجع فعلي في دوره. البنية التحتية هشة، والتمويل محدود، والكفاءات تتسرب، والمشروع الثقافي الوطني شبه غائب. هنا يتحول السؤال من “أين يقف المسرح؟” إلى “أين موقعه في رؤية الدولة؟” ومن المعروف أنه بعد الحرب تتضاعف أهمية المسرح باعتباره أداة مؤثرة في مخاطبة الجماهير. إن المجتمعات الخارجة من الصراع تحتاج إلى أدوات تعيد بناء الثقة، وتستعيد الذاكرة، وتمنع الانزلاق نحو الانقسام. والمسرح بقدرته على التفاعل مؤهل للقيام بهذا الدور. لكن هذا الدور لن يتحقق دون إعادة تحديد وظيفته: من «مسرح عرض» لا يكتفي بعرض الألم، إلى «مسرح عمل» يساهم في تفسيره وتفكيكه. من منصة ترفيهية إلى أداة للنقد والمساءلة. من نشاط موسمي إلى مشروع وطني. ولتحقيق هذه الغاية، يتطلب الأمر ثلاثة مسارات متوازية: أولاً، إعادة بناء البنية التحتية، بما في ذلك المسارح والكليات وبرامج التدريب. ثانياً، تحفيز الإنتاج المسرحي المرتبط بقضايا واقعية، بعيداً عن القوالب النمطية. ثالثاً، استعادة دور المثقف كفاعل في التحول الاجتماعي والسياسي، وليس مجرد مراقب. إن استرجاع الأعمال الخالدة أو إعادة إنتاجها يعد خطوة مهمة في استعادة الذاكرة، لكنها ليست كافية. التحدي الحقيقي هو إنتاج أعمال جديدة تعكس تعقيدات الواقع وتحدياته، وتخاطب جمهوراً تغيرت أدواته واهتماماته. إن الخطر الأكبر الذي يواجه المسرح اليوم ليس الافتقار إلى القدرات، بل الافتقار إلى الرؤية. إن الدول الخارجة من الحرب لا تعيد بناء المباني، بل تبدأ في إعادة بناء الأفكار. وهنا يمكن للمسرح أن يلعب دوراً حاسماً في «إعادة هندسة الوعي» إذا تم إدراجه ضمن مشروع وطني يربط بين الثقافة والسياسة والتنمية. واستعادة هذا الدور تتطلب أيضاً المصالحة بين الأجيال المسرحية، والجمع بين خبرة وأفكار الرواد وجرأة وطموح الشباب. وبدون هذا الالتقاء سيبقى المسرح معلقا بين الماضي المجيد، والحاضر المتعثر، والمستقبل المؤجل. وفي الختام، وبحسب #وجه_الحقيقة يمكن القول إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق ثقافي لا يقل أهمية عن مفترق طرقه الأمني والسياسي. فإما أن يبقى المسرح مجرد زخرفة في مشهد الدولة، أو يتحول إلى إحدى أدوات إعادة تشكيلها. وبين المشهد والفعل، تتحدد قيمة المسرح، ليس بما يظهر على خشبة المسرح، بل بما يخلقه في وعي الأمة. دمتم بخير وعافية. الإثنين 30 مارس 2026م Shglawi55@gmail.com




