اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-23 23:40:00
محمد عبد الله في الأزمات الكبرى، لا تكمن المشكلة دائماً في التصريحات نفسها، بل في الارتباك الذي يتبعها. إن التناقض بين ما يقال علناً وما ينفي لاحقاً، وبين ما يتم تداوله خلف الكواليس وما يصل إلى الرأي العام، يكشف أحياناً شيئاً أعمق من الحقائق المباشرة. وهذا بالضبط ما انعكس في الجدل الأخير حول التصريحات المنسوبة لقائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان بعد زيارته للبحرين، والمتعلقة باستعداده للحوار مع الإمارات. لكن الملفت في القضية ليس مضمون التصريحات وحده، بل السرعة التي تحرك بها المكتب الإعلامي للبرهان لنفيها، قبل أن يصدر بيانا رسميا ينفي فيه إجراء أي مقابلة على الإطلاق، في وقت أكد صحافيون في موقع “ميدل إيست آي” أن التصريحات قد صدرت فعلا، وتمت مراجعتها قبل نشرها. ولا تبدو هذه الفوضى التواصلية مجرد خلل إعلامي عابر، بقدر ما تعكس حالة من الإرباك داخل مركز صنع القرار السوداني. منذ اندلاع الحرب، أصبح من الواضح أن هناك خطابين مختلفين داخل المعسكر المؤيد للجيش. الأول يتبنى لهجة تصعيدية تجاه الإمارات، ويصور الحرب كامتداد لصراع إقليمي وتدخل أجنبي مباشر. والثاني، وهو الأقرب إلى حسابات البرهان السياسية، يميل إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك أبو ظبي، انطلاقا من إدراك أن أي تسوية مستقبلية في السودان لن تتم خارج التوازنات الإقليمية. وقد أدى هذا التناقض إلى ارتباك سياسي متزايد. فمن ناحية، هناك حاجة إلى خطاب حشدي يرضي الحركات الداخلية الداعمة للحرب، بما في ذلك بعض الجماعات الإسلامية. في المقابل، تبقى الحاجة إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع العواصم المؤثرة على الساحة السودانية. ومن هنا يمكن فهم الحساسية المحيطة بزيارة المنامة. وتمثل البحرين، بحكم علاقاتها الخليجية المتوازنة، مساحة مناسبة للاتصالات الهادئة والرسائل غير المعلنة. لكن تحويل زيارة من هذا النوع إلى خبر إعلامي يوحي بوجود وساطات أو تفاهمات سياسية حساسة، قد يضع الدولة المضيفة في موقف حرج، خاصة إذا كانت غير مستعدة للظهور كطرف مباشر في الأزمة السودانية. والأمر هنا يتجاوز الجانب الدبلوماسي إلى صورة القيادة السودانية نفسها أمام حلفائها. وتنظر العواصم التي تتابع تطورات الحرب بقلق إلى الرسائل المتضاربة القادمة من الخرطوم، وغياب الخطاب السياسي المتماسك. هناك خطاب موجه إلى الداخل، وآخر إلى المنطقة، وثالث إلى المجتمع الدولي، وكثيراً ما تبدو هذه الرسائل متضاربة أكثر من كونها متكاملة. ويصبح المشهد أكثر تعقيداً مع استمرار الجدل حول تأثير الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والجيش. ولا تخفي بعض الدول العربية الداعمة للمؤسسة العسكرية انزعاجها من عودة شخصيات تابعة للنظام السابق إلى الواجهة. في المقابل، يبدو البرهان حذراً من الدخول في مواجهة مباشرة مع هذه الحركات، ربما لحاجته إلى شبكاتها السياسية والتنظيمية في ظل استمرار الحرب. لكن إدارة التوازنات تصبح أكثر صعوبة كلما طال أمد الصراع. يبحث الحلفاء الإقليميون عن شريك واضح يمكن الوثوق بمواقفه، فيما تفرض الحرب خيارات أكثر حسماً وأقل قدرة على المناورة على القادة السياسيين والعسكريين. لذلك، تبدو الضجة التي رافقت تصريحات البحرين أكثر من مجرد نقاش إعلامي عابر. وهو يعكس جزئياً أزمة ثقة تتوسع تدريجياً بين القيادة السودانية وبعض محيطها الإقليمي. وفي السياسة، قد يكون تآكل الثقة أكثر خطورة من خسارة الحلفاء أنفسهم. السودان اليوم لا يواجه حرباً عسكرية فحسب، بل يواجه أيضاً أزمة ذات تعريف سياسي: من يدير الدولة؟ ومع أي تحالفات؟ أية رؤية للمستقبل؟ وإلى أن تتضح الإجابات، ستبقى كل زيارة خارجية، وكل تصريح مثير للجدل، وكل إنكار متأخر، جزءاً من محاولة قراءة ما يجري خلف الكواليس المعلنة. muhammedbabiker@aol.co.uk الكاتب




