اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-11 11:40:00
بسم الله الرحمن الرحيم بقلم: الأستاذ مهدي أمين التوم تتمتع مدينة أم درمان بمكانة خاصة في نفوس أهلها، يغذيها حب مستحق، وتغلفها معاني عميقة ترسخت على مر الأجيال قبل أن تجتاحها موجة الريف التي كادت أن تطمس صورتها الذهنية التي ترسخت عبر أجيال وأجيال حتى تجاوزتها مؤخرا نكبة حرب لا معنى لها استهدفت الوطن. الوطن في قلبها النابض أم درمان. لكن أي أقدار… في مثل هذه الأجواء السلبية يأتي عاشق أم درمان (معتصم قريشي) يقدم لنا قصة غنية عن مدينة تستحق الخلود. أسماها (أم درمان: حكايات المدينة). وهو يمثل في مجمله توثيقا لتاريخ وأسواق وحرف وشخصيات مدينة لها بصمات وقصص تحكيها الأجيال في وجدان الأمة السودانية. فكرة الكتاب وإصداره في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة السودانية هي فكرة مجنونة ويبدو أنها مدفوعة بخوف عميق على وطن تعصف به الرياح. كادت عاصفة قوية أن تنهي وجودها. ولهذا وكأن معتصم أراد أن يثبت أن لدينا تراثاً تاريخياً ومجتمعياً يستحق البقاء والخلود. ولهذا جاء الكتاب ليمثل صفحاته المائة والسبعة والستين، ليمثل سياحة صادقة عن الناس والحياة في مدينة كان من الممكن أن تنتهي معركة كرري وجودها الإنساني والعمراني وتمحوها من الوجود لولا النبلاء الذي غطتها منذ بداياتها. ومن أروع ما في هذا الكتاب المهم وما يغنيه العدد الهائل من أسماء الأعيان. بذل المؤلف جهدا جبارا في تذكر وتخليد أعداد هائلة من شخصيات أم درمان في كافة مجالات الحياة، وقدمهم في تفاعلات ومواقف رسمت في معظمها صورا حية لما تميزت به أم درمان من اندماج مجتمعي تعمق عبر الأجيال. لكن من المؤسف جداً أنها ضعفت كثيراً بعد موجة الريف التي اجتاحت المدينة إثر موجات التهجير القسري الناجمة عن موجات الجفاف التي ضربت أجزاء كثيرة من وطننا العزيز، أو المصالح السياسية الحديثة. كان يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للمدينة لأغراض انتخابية وسياسية. لقد أظهر المؤلف قدرة رائعة على تذكر مئات الأسماء، ويستحق الثناء على تخليدها في هذا الكتاب المهم. لكن رغم الاعتذار الذي أبداه في مقدمة الكتاب، فإن ذلك لا يعفيه من نسيان بعض من كان لهم بصمة في حياة المدينة وأهلها، مثل جدي لأبي (التوم ساتي حمد) رحمه الله، الذي كان من أوائل من قادوا الترام الكهربائي في العاصمة الخرطوم، وتدرب على قيادته عندما كان مغتربا في القاهرة. تدرج جدنا التوم في مراتب شركة نقل العاصمة حتى وصل إلى وظيفة (مفتش التذاكر) قبيل تقاعده عام 1951م بعد أن أمضى أكثر من عشرين عاما في العمل في عالم الترام الذي بدأت شبكته في أم درمان ثم توسعت تدريجيا إلى الخرطوم وبحري. وقد تم تقديمها له بمناسبة المعاش عبارة عن ساعة جيب سويسرية فاخرة محفور عليها اسمه على الظهر الحديدي باللغة الإنجليزية ومسجلة مناسبة وتاريخ الهدية. لقد احتفظنا بهذه الساعة في مكان آمن في منزل عائلة بودنوباوي كقيمة أثرية، ولكننا لا نعرف حاليا ماذا حدث لها بعد الحرب الملعونة وعندما تعرض منزلنا لأربع غارات من قبل تتار القرن الحادي والعشرين لعنهم الله جميعا. كان جدنا التوم يجري عمليات تفتيش عشوائية من محطات مختلفة.. ونشهد بذلك، ونحن الصغار، إذا صادفنا جدنا التوم في إحدى جولاته التفقدية في الترام، فلن يعفينا من الرسوم أبداً. وإذا لم ندفع بعد عندما يصعد، فإنه يدفع ثمن تذكرتنا من جيبه إلى المحصل الذي يرافقه عند فحص تذاكر ركاب الترام، ويتأكد من أن المحصل يقطع التذاكر ويسلمها إلينا. بالفعل… والويل للكمسري الذي كان يجده متساهلاً، أو مهملاً في عمله، أو يجمع الثمن دون أن يسلم الراكب التذكرة!!! رحمه الله وعلى الترام الذي كان أحد معالم العاصمة والذي حولوه بقرار عشوائي إلى خردة حديدية قاموا بتجميعها غرب أم درمان بشكل أحزن الكثيرين. ومن ناحية أخرى، ذكر كتاب معتصم في سرده الممتع للعديد من الأحداث، مواقف كثيرة أضحكتني لأنني مررت بها. أو أحزنني لأنه ذكرني بأشخاص أعرفهم غادرونا إلى دار البقاء، أو بمواقف كان لي فيها رأي، كالفرصة التاريخية التي أتاحها اتفاق (الميرغني/ قرنق) والتي أهدرها السيد الصادق المهدي رحمه الله عبر تكتيك كلمة “بتوضيحاتها” التي ملأ بها آفاق الإعلام وقاعات المجلس التشريعي، فضيع بذلك فرصة فرصة كانت ستبقي السودان موحداً ومساحته مليون ميل مربع كما تركه الآباء المؤسسون!!! كما أتمنى أن يتضمن الكتاب في طبعته القادمة المزيد من الصور والانطباعات عن التعليم في أم درمان، تخليدا لذكرى معالم وشخصيات تركت بصمات تعليمية عميقة، مثل مدارس أم درمان العامرية والأهلية، والحي العربي، والمؤتمر، ومثل الجامعات التي أحدثت حداثة ملحوظة في تقدم أم درمان الثقافي والعمراني، مثل بنات الأحفاد، ومدارس أم درمان الأهلية، ومدارس أم درمان الإسلامية، التي وكان لي الشرف بإدارة لفترة قصيرة جامعة النصر والجامعة التكنولوجية وكلية الدكتوراه. بخيتة أمين، الفكرة والإدارة المبتكرة. كما تمنيت أن يلقي الكتاب ظلالا أعمق على ارتباط أم درمان بالإذاعة والتليفزيون والمسرح قديما وحديثا، وبنادي الخريجين ورواده الأوائل وما أحدثوه من نهضة ونشاط سياسي ومسرحي أثار الحماسة الوطنية وقاد البلاد إلى استقلال لم ترغب المؤسسة العسكرية في تطويره طبيعيا، لتتمتع البلاد بالآفاق الواسعة التي ينشدها الآباء المؤسسون الأزهري ومحجوب ورفاقهما. رحمهم الله جميعا. وبشكل عام فإن كتاب معتصم القرشي: (أم درمان: حكايات المدينة) تحفة وثائقية تستحق أن تزين مكتبات السودان الرسمية والخاصة لتبقى وثيقة يعتز بها أهل السودان عامة، ومحبو أم درمان خاصة. ويا مكتباتي العائلية العزيزة التي عبثت بها أيادي تتار القرن الحادي والعشرين بحثاً عن ثروات زائلة لا يعرفون أن أهل أم درمان لا يعرفون كيف يراكمونها أو يمنعونها. شكراً يا معتصم على أحزاننا وآلامنا، ولكن يبقى أملنا الكبير في الله أن تظل (أم دور) رمزاً لكل ما قصد من أجله هذا السفر العظيم. مهدي أمين التوم 21 مايو 2026م mahdieltom23@gmail.com الكاتب थप हेर्नुहोस्




