اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 14:10:00
نزار عثمان السمندل يتسلل صوت الهدنة من بين الركام كالهمس المتردد، لا يحمل يقيناً بقدر ما يثير تساؤلات ثقيلة. الحرب التي أنهكت البلاد وشعبها بسبب الإهمال الدولي الذي طال أمده، تظهر فجأة على أعتاب منعطف جديد، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع الإرهاق الداخلي، مما يفتح نافذة ضيقة لاحتمال توقف مؤقت للنيران، مما يسمح بمرور المساعدات إلى جغرافيا أنهكها الجوع والخوف. ومن خلف هذه الحركة تظهر ملامح ترتيبات يتم طبخها بعيدا عن الضوء، مما يوحي بأن البلاد يعاد تشكيلها في غرف مغلقة، بينما يراقب السودانيون المشهد بشكوك مزدوجة. تصاعد الحديث عن انشقاقات داخل “الدعم السريع” يربك القراءة السطحية للصراع. ولا يبدو أن رحيل القادة الميدانيين واستقبالهم رسمياً حدثاً عادياً في سياق حرب مفتوحة، بل مؤشر إلى شيء أعمق. الأمر يتجاوز حدود الانهيار الداخلي، ويتطرق إلى إمكانية إعادة تدوير القوة نفسها، لكن بواجهة مختلفة، وأقل اصطداماً بالمزاج العام. رواية (العودة إلى حضن الوطن) يتم ترويجها بعناية، ومغلفة بخطاب ديني يطلب المغفرة ويدعو إلى السلام، وكأن الدم الذي سفك يمكن أن يغلف في عبارة وعظية. مشهد استقبال المعارضين على أعلى مستويات السلطة يفتح الباب أمام تفسير واسع. فهل الميليشيا تتفكك فعلا من الداخل، أم يتم تفكيكها بشكل محسوب تمهيدا لإعادة تشكيلها ضمن معادلة جديدة؟ فالاحتمالان لهما نفس المعنى: إعادة توزيع السلطة بدلاً من حلها. تبدو هذه الانقسامات، بتواترها وتسلسلها، أقرب إلى اختبار نبض الشارع، وقياس حدود القبول من خلال إعادة دمج الوجوه التي كانت حتى وقت قريب رمزاً للعنف. داخل المعسكر الإسلامي، تتفجر التناقضات القديمة بملامح أكثر حدة. مناقشات تسليم المجرمين إلى المحكمة الجنائية الدولية تعيد فتح جراح لم تلتئم. الحديث عن الاستعداد لتقديم بعض الأسماء يثير الذعر بين القادة الذين يرون في ذلك بداية النهاية. الخلاف بين علي كرتي وأحمد هارون يتجاوز التكتيك إلى مسألة البقاء نفسها: من الذي سيتم التضحية به حتى يستمر الآخرون؟ ومن يدفع ثمن محاولته إرضاء العالم الخارجي؟ تجربة علي كوشيب تقف كشبح قريب، للتذكير بأن طريق الخلاص قد يمر بالتضحية بأقرب الناس إلينا. تاريخ الانقسامات داخل الحركة الإسلامية يحمل ثقله، منذ لحظة الصدام بين عمر البشير وحسن الترابي، وحتى الانقسامات اللاحقة. والحاضر لا ينفصل عن ذلك الإرث، بل يعيد إنتاجه تحت ضغط أكبر. وتشير الاعتقالات داخل الجماعات المرتبطة بهم إلى أن الخلاف لم يعد سياسيا فحسب، بل امتد إلى مفاصل القوة المسلحة، حيث يتحول الشك إلى خطر مباشر. وسط هذه الفوضى، تتحرك الشخصيات الأخرى بحذر. تسعى منى أركو مناوي إلى تنظيم أوراقها، محاولاً حجز مقعد لها في مشهد لم تتضح نهايته. يبدو جبريل إبراهيم أقرب إلى العزلة، وتحيط به تكهنات حول خروجه من دائرة النفوذ. التحالفات تتحول بسرعة، والأسماء التي كانت ثابتة في معادلة الأمس تفقد مواقعها أو تعيد تموضعها. ويقف عبد الفتاح البرهان في قلب هذا التعقيد، محاصراً بالظروف الخارجية والضغوط الداخلية، دون مساحة كافية للمناورة. وأي خطوة نحو هدنة شاملة تعني التزامات ثقيلة، تتعلق بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وربما تقديم تنازلات مؤلمة في موضوع العدالة. إن الرؤية التي تدفعها الأطراف الدولية، من اللجنة الرباعية إلى مخرجات مؤتمر برلين، تفرض طريقاً لا تحتمل المراوغة الطويلة. السودان، في هذه اللحظة، ليس لديه خيار واضح. تبدو الهدنة المحتملة وكأنها استراحة محارب، لكنها قد تخفي في داخلها إعادة توزيع للأدوار بدلاً من إنهاء الصراع. ما يحدث لا يشبه نهاية الحرب بقدر ما يوحي بأنها أعيدت كتابتها، بحبر مختلف وأدوات أكثر دقة.




