اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-12 11:53:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي القصة بدأت من هامش بسيط على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت شائعة تقول باستبعاد مهندسين سودانيين من أعمال الصيانة في سد مروي لصالح شركة صينية تم التعاقد معها. للوهلة الأولى، بدا خبراً تقنياً يمكن اعتباره والرد عليه وربما تصديقه، لكنه سرعان ما اتسع ليتحول إلى رواية كاملة، تلامس شعوراً بالقلق على ما تبقى من مؤسسات الدولة. وسرعان ما جاء النفي الرسمي عبر شركة الكهرباء القابضة، مؤكدا عدم دقة الادعاء ومؤكدا على كفاءة الكوادر الوطنية. لكن ما حدث بعد النفي كان أهم من الشائعة نفسها: القصة لم تمت، بل استمرت في الانتشار، وكأنها تعبر عن حاجة نفسية جماعية إلى تصديقها، مع الشعور بأنها من صنع آلة إعلامية تستثمر في الأجواء المتوترة. وهنا لم يعد السؤال المطروح: هل الإشاعة صحيحة أم لا؟ بالأحرى: لماذا بدا الأمر قابلاً للتصديق في المقام الأول؟ وفي هذا المقال نسعى معك عزيزي القارئ إلى تفكيك هذه الظاهرة وفهم خلفيتها، حتى تتضح الصورة كاملة. في زمن الحرب، تتغير وظيفة الأخبار. فهو ليس مجرد تقرير للحقائق، بل هو أداة لإعادة ترتيب الرأي العام. لم تكن شائعة استهداف سد مروي بريئة في بنيتها، إذ تضمنت ثلاث رسائل في الوقت نفسه: أن الكفاءة الوطنية موضع شك، وأن إدارة مورد استراتيجي انتقلت ضمنا إلى الخارج، وأن الدولة من حيث الخدمات لم تعد تملك السيطرة الكاملة على أدواتها. ويعتبر السياسيون هذه المفاتيح لإعادة تعريف صورة الدولة في أذهان مواطنيها. والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الاستهداف قد خرج عن نطاقه التقليدي. إن الدعاية المضللة، التي كانت تدور في كثير من الأحيان حول الجبهات العسكرية أو الصراعات السياسية، وجدت طريقها الآن إلى مشاريع التنمية. وهذا نقلة نوعية تتطلب الاهتمام، لأن استهداف الأمن يربك الدولة، واستهداف التنمية يربك المجتمع. عندما يتساءل الناس عن الكهرباء والماء والخدمات، فإن الشك لا يتوقف عند حدود الخدمة، بل يمتد إلى فكرة الدولة ككل. ومن ناحية أخرى، تظهر الحقائق. ولم ينهار سد مروي ولم يخرج عن الخدمة. بل إنها لا تزال تنتج ما يقرب من 980 ميجاوات من خلال ثماني وحدات تعمل بكفاءة. وتعرضت الوحدتان الموقوفتان لأضرار مباشرة في المحولات نتيجة استهدافها بطائرات مسيرة، أثناء عدوان مليشيا الدعم السريع، وهي أضرار قسرية لا علاقة لها بقدرة المهندسين أو سلامة التصميم. لكن هذه الحقائق تبدو أقل جاذبية من السرد الدرامي الذي يصور المشهد على أنه انهيار. المفارقة المؤلمة هي أن جوهر الأزمة لا يكمن في التوليد على الإطلاق، بل فيما يأتي بعده. إن شبكات النقل والتوزيع، التي تعرضت لتدمير واسع النطاق في مواقع حيوية، هي التي تعيق وصول الكهرباء إلى الأهالي. وهنا يتشكل الانفصال بين الحقيقة والتجربة: الدولة تقول الإنتاج موجود، والمواطن يرى أن الضوء مفقود. وبين هذين المستويين، تولد الشائعات وتجد أرضاً خصبة لنفسها. أما التعاون مع الشركات الأجنبية فهو يأتي كرد طبيعي على حجم الضرر، وهو ما يتطلب معدات معقدة وتمويلاً كبيراً ووقتاً للتصنيع. لكن، في بيئة مشبعة بالشكوك، يُعاد تفسير هذا التعاون باعتباره تنازلاً وليس شراكة، وإقصاءً وليس دعماً. وهنا تظهر هشاشة الرواية الرسمية، ليس في ضعفها، بل في تأخرها عن مواكبة المعنى الذي يتشكل في ذهن الجمهور. سياسياً، نحن أمام أزمة أعمق: ليس فقط في إدارة قطاع حيوي تأثر كثيراً بتداعيات الحرب، بل أيضاً في إدارة «معنى» هذا القطاع. الحالة التي لا تفسر ما يحدث تسمح للآخرين بتفسيره لها. وفي زمن تتكاثر المنصات وتتسارع الأخبار، يصبح الصمت أو التأخير في التوضيح نوعاً من التنازل غير المعلن عن حق صياغة الرواية الحقيقية. ومن زاوية أوسع، تكشف هذه الحادثة صراعاً حول تعريف الدولة في هذه المرحلة: هل هي دولة تتآكل أم دولة تقاوم؟ فالخيار الحقيقي أكثر تعقيدا من الخيارين. هناك تآكل في بعض المفاصل نعم، ولكن هناك مرونة في مفاصل أخرى أيضا، وسد مروي من أبرز هذه المفاصل الذي لا يزال يعمل رغم كل الاستهداف الذي أصابه، والدليل إنتاجه الذي يغطي الحاجة في ظل غياب كامل لمعظم محطات التوليد الحرارية عن الخدمة. وإذا انتقلنا من الرواية إلى الواقع تتضح الصورة أكثر. ولا تقتصر أزمة قطاع الكهرباء اليوم على الأعطال الفنية، بل ترتبط بخسائر فادحة في شبكة النقل والتوزيع، حيث فقدت الشبكة محولات ومعدات استراتيجية في محطات حيوية مثل شرق الخرطوم والسوق المحلي وعفرا والشجرة والمقرن ومقابر فاروق، نتيجة الهجمات المباشرة. وهذا الاستهداف المتعمد ترك مناطق واسعة، من شارع النيل إلى جنوب الصحافة، ومن المقرن إلى المنشية والجريف والمعمورة، بدون كهرباء. إلا أن مهندسي الكهرباء تمكنوا بجهود جبارة من إعادة تأهيل محولة المقرن ومد خطوط بديلة من سوبا، مما أدى إلى استعادة التيار الكهربائي بشكل جزئي وإعادة إحياء شريان الخدمة في بعض الأحياء. هذا بالإضافة إلى أم درمان وبحري وغيرها. لكن الواقع أعمق من ذلك، فهو نتاج تراكمات سياسية سبقت الأزمة الحالية. وأنفقت موارد ضخمة على تسويات غير مبررة، مثل دفع 335 مليون دولار تعويضات لأسر ضحايا الهجمات على السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، في عهد حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، في إطار اتفاق رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بينما كان من الممكن توجيه هذه الأموال لتطوير قطاع الكهرباء وزيادة قدراته في التوليد والنقل. كما أدت سياسات ما يعرف بـ”محاربة التمكين” إلى تشريد عدد من المهندسين المؤهلين، وضياع سنوات من التدريب والتأهيل، مما ترك فجوة كبيرة في الخبرات الوطنية، وأضعف قدرة القطاع على الاستجابة للأزمات. وهكذا تتقاطع الحرب مع تراث السياسة لتشكل واقعاً هشاً، لا تكفي الشائعات لتفسيره، ولا تكفي تصريحات النفي لمعالجته. والمطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، وتطوير الكفاءات، وحماية مشاريع التنمية من التوترات التي تضعفها. معركة سد مروي هي معركة ثقة: أن يصدق المواطن ما يقال، لأنه يراه حقيقة، ويشعر أن الدولة ما زالت تقوم بمسؤولياتها. وفي النهاية، واعتماداً على #وجه_الحقيقة، قد تنجح الفرق الهندسية في استعادة الطاقة خلال ساعات، لكن إعادة بناء الثقة تتطلب وقتاً أطول وصدقاً أكبر وخطاباً يرى فيه الناس أنفسهم وليس مجرد أرقام. إن الدول لا تهزم فقط عندما تنطفئ محطاتها، بل أيضاً عندما تنطفئ ثقة مواطنيها بها. دمتم بخير وعافية. الخميس 9 إبريل 2026م Shglawi55@gmail.com




