اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-05 23:37:00
زهير عثمان لا تقاس قيمة الكتب الفكرية بما تقدمه من إجابات نهائية، بل بما تفتحه من أسئلة جديدة، وقدرتها على توسيع المجال المعرفي الذي تتحرك فيه. ومن هذه الزاوية، يقع كتاب “انتهاكات المقدسات” ضمن الأعمال التي تحاول إعادة قراءة الدولة السودانية من خلال سؤال النوع الاجتماعي، وعلاقة السلطة بإنتاج المقدس، وكيفية توظيف الخطاب الديني والقانوني في تشكيل المجال العام. ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن وضع المرأة داخل الدولة ليس مجرد قضية اجتماعية أو قانونية، بل يمثل مدخلا تحليليا لفهم بنية السلطة وآليات عملها، وهي فرضية تجد امتدادات في عدد من المدارس الفكرية المعاصرة، خاصة تحليل الخطاب النقدي، وعلم الاجتماع التاريخي، والدراسات النسوية، وفلسفات السلطة. إلا أن أهمية المشروع لا تعفيه من الخضوع للفحص المنهجي. والسؤال الذي يسبق مناقشة النتائج هو: إلى أي مدى تمكن الكتاب من تحويل هذه المراجع النظرية إلى أدوات تحليلية متماسكة؟ فهل حافظت على الانسجام بين الإطار النظري والتطبيق العملي، أم أن تعدد المراجع أنتج نوعاً من الانتقائية المنهجية؟ هذه القراءة لا تناقش مواقف المؤلف الفكرية، ولا تتناول البعد القانوني للكتاب. بل يركز على البناء المنهجي ومدى توافق الأدوات المستخدمة مع النتائج التي توصل إليها. أولا – مشكلة البناء المنهجي. يعلن المؤلف منذ البداية اعتماده على ثلاثة مناهج رئيسية: التحليل النقدي للخطاب، وعلم الاجتماع التاريخي، والدراسات النسوية ما بعد الاستعمارية. يمثل هذا الاختيار محاولة طموحة لبناء قراءة متعددة التخصصات. إلا أن الجمع بين المقاربات لا يكفي في حد ذاته لإنتاج إطار نظري موحد، إلا إذا تم توضيح العلاقة المنهجية بينها. على سبيل المثال، ترفض جينالوجيا ميشيل فوكو الروايات التاريخية الخطية، في حين أن علم الاجتماع التاريخي لتشارلز تيلي يعتمد على تصور تراكمي لتشكيل الدولة من خلال التفاعل بين الحرب والموارد والمؤسسات. ولا يناقش الكتاب بشكل كاف كيفية التوفيق بين هذين المفهومين المختلفين، مما يترك القارئ أمام تحولات نظرية لا يصاحبها تفسير منهجي واضح. ومن هنا يبدو المشروع أقرب إلى تعدد المرجعيات منه إلى التوليف النظري بالمعنى الدقيق للكلمة. ثانياً- الأطروحة المركزية وحدودها التفسيرية. الفرضية الأساسية للكتاب هي أن علاقة الدولة بالمرأة تمثل العدسة الأكثر قدرة على الكشف عن طبيعة السلطة. ولا شك أن هذه الفرضية تجد دعما في كثير من الأدبيات النسوية المعاصرة، لكن تحويلها إلى مفتاح تفسيري شامل يثير عددا من التساؤلات. فالدولة، خاصة في مجتمعات ما بعد الاستعمار، ليست بنية متجانسة، بل هي مساحة تتقاطع فيها المؤسسات الرسمية والأعراف الاجتماعية والاقتصاد السياسي والهياكل القبلية والدينية. ولذلك فإن تفسير كافة التحولات السياسية من خلال النوع الاجتماعي وحده قد يؤدي إلى تضييق زاوية التحليل، وإهمال العوامل البنيوية الأخرى التي لا تقل تأثيرا، مثل الاقتصاد والعنف والعلاقات. المركزية والتهميش وطبيعة الدولة الريعية. ولذلك، ربما يكون من الأنسب النظر إلى النوع الاجتماعي باعتباره أحد المقاربات التفسيرية المهمة، وليس المقاربة الوحيدة. ثالثاً – من الإطار النظري إلى التطبيق. يشير المؤلف إلى اعتماد نموذج نورمان فيركلاف في تحليل الخطاب، لكن التطبيق ضمن الفصول لا يعكس بوضوح المراحل الثلاث التي يقوم عليها هذا النموذج – الوصف اللغوي للنص، وتفسير إنتاجه واستقباله، وتفسير علاقته بالبنية الاجتماعية. وفي كثير من المواضع ينتقل الكتاب مباشرة إلى مناقشة الآثار السياسية والاجتماعية للقوانين، دون الخوض في تحليل البنية اللغوية والبلاغية. بالنسبة للنصوص نفسها، لو تم تطبيق أدوات تحليل الخطاب بمزيد من التفصيل على المواد القانونية أو الخطب السياسية أو البيانات الرسمية، لكانت العلاقة بين النظرية والممارسة أكثر تماسكًا. رابعاً- التاريخ بين السرد والتحليل. يقدم الكتاب عرضًا مهمًا لتاريخ المرأة السودانية ودورها في التعليم والسياسة والثقافة. إلا أن هذا العرض يعتمد في جزء كبير منه على الرموز الثقافية والذاكرة الوطنية، مثل شخصيتي “عزة” و”مهيرة”، كمؤشرات على حضور المرأة في الخيال الجمعي. ورغم أهمية هذا المستوى الرمزي، إلا أن التحليل كان سيكون أقوى. وإذا كان مدعوماً أيضاً بالبيانات الكمية والأرشيفات المؤسسية والإحصاءات التعليمية والاقتصادية، التي تسمح بقياس التحولات التاريخية بشكل أكثر دقة، فإن الرمز الثقافي يثري القراءة، لكنه لا يحل محل المؤشرات التجريبية. خامساً- مفهوم العنف الرمزي. ويستفيد الكتاب من مفهوم بيير بورديو عن “العنف الرمزي” في تفسير العلاقة بين الدولة والجسد والرقابة الاجتماعية. إلا أن مفهوم بورديو لا يقتصر على القانون، بل يقوم على نظام كامل يشمل المدرسة والإعلام والأسرة والمؤسسات الثقافية التي تعيد إنتاج الهيمنة بطريقة غير عادلة. ومباشرة، في التطبيق السوداني، يتركز التحليل بدرجة أكبر على التشريعات القانونية، في حين أن بقية مؤسسات إعادة إنتاج السلطة لا تتلقى نفس القدر من الدراسة. ولذلك فإن التوسع في التحليل ليشمل المجالات التعليمية والإعلامية والثقافية كان من شأنه أن يمنح هذا المفهوم قوة تفسيرية أكبر. سادساً: بين التحليل الأكاديمي ومناصرة حقوق الإنسان. ومن أبرز القضايا التي يثيرها الكتاب تقاطعه بين مستويين مختلفين – الأول – التحليل الأكاديمي الذي يسعى إلى تفسير الظاهرة والثاني – الخطاب الحقوقي الذي يهدف إلى الدفاع عن قضية معينة. ولا يعتبر الجمع بين المستويين خطأ في حد ذاته، لكن غياب الحدود الواضحة بينهما يجعل بعض الفصول تنتقل من الوصف والتحليل إلى اللغة المعيارية، وهو ما قد يمنح المعارضين فرصة لوصف العمل بأنه أقرب إلى الدعوة الفكرية منه إلى البحث الأكاديمي. وكان من الممكن الحفاظ على قوة رسالة حقوق الإنسان بدرجة أكبر من الحياد المنهجي، من خلال الفصل الواضح بين التحليل والاستنتاج المبني على القيمة. سابعا – التقييم العام “انتهاكات المقدسات” محاولة جادة لإدخال مسائل النوع الاجتماعي في قلب النقاش الدائر حول الدولة السودانية، وهي بذلك تملأ فراغا واضحا في المكتبة السودانية المعاصرة. وتكمن أهميته في أنه لا يناقش المرأة كموضوع اجتماعي فحسب، بل يجعلها مقدمة لإعادة التفكير في السلطة والقانون والهوية وإنتاج المقدس. من ناحية أخرى، يواجه المشروع عددا من التحديات المنهجية، أبرزها عدم التكامل التام بين المراجع النظرية المختلفة. التطبيق العملي المحدود لتحليل الخطاب. ضعف الاعتماد على الأدلة التجريبية مقارنة بالتحليل التفسيري. ويتداخل الخطاب الأكاديمي مع خطاب حقوق الإنسان في بعض الفصول. إلا أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الكتاب، بل تشير إلى إمكانية تطويره في طبعات لاحقة، خاصة إذا تم تعمق الجانب المقارن، وتوسيع قاعدة البيانات، وتحول الإطار النظري. وبالنسبة لأدوات تحليلية أكثر منهجية، فإن القيمة الحقيقية لكتاب “انتهاكات المقدسات” تكمن في أنه يعيد فتح أسئلة ظلت مؤجلة في الفكر السوداني حول العلاقة بين السلطة والدين والجنس والدولة. وليس من العدل النظر إليه كنص كامل أو نهائي، بل كمشروع فكري يفتح باباً واسعاً للنقاش الأكاديمي، والكتب التي تستحق القراءة ليست تلك التي تغلق الحوار، بل تلك التي تدفع الباحثين إلى إعادة النظر في البديهيات وإنتاج قراءات جديدة أعمق وأوسع. ومن هذه الزاوية ينجح الكتاب في أن يكون بداية حوار معرفي، حتى في المواضع التي يمكن أن نختلف معه. مراجع نظرية مختارة: ميشيل فوكو، الانضباط والعقاب. ميشيل فوكو، علم آثار المعرفة. نورمان فيركلاف، اللغة والسلطة. تشارلز تيلي، الإكراه ورأس المال والدول الأوروبية. بارينجتون مور جونيور، الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية. بيير بورديو، الهيمنة الذكورية. أنطونيو جرامشي، مختارات من دفاتر السجن. جوديث بتلر، النوع الاجتماعي مشكلة. جوان سكوت، النوع الاجتماعي وسياسة التاريخ. بول ريكور، نظرية التفسير. zuhair.osman@aol.com الكاتب




