اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-07 20:34:00
وجه الحقيقة: إبراهيم شقلاوي: في السياسة السودانية، لم يعد الاعتذار حدثاً استثنائياً، بل محاولة متأخرة للحاق بالتاريخ بعد خروج أنصاره من منصة النفوذ. لذلك، عندما يخرج من يعلن تخليه عن حزب المؤتمر الوطني، أو يعتذر عن تجربة سياسية سابقة، فإن السؤال هو: ما الذي يجب عليه الاعتذار عنه أصلاً؟ وبرأيي لا يبدو أن المهندس عبد الجبار حسين يملك الثقل السياسي الذي يجعل خروجه من حزب ما حدثاً يتطلب كل هذا النقاش، كما حصل في إحدى المجموعات. بالتأكيد ليس للتقليل من شأن الرجل، لكن لأن السياسة السودانية امتلأت في السنوات الأخيرة بمواقف متأخرة، ومراجعات جاءت بعد خمول المرحلة، وادعاءات لم ترقى حتى إلى مستوى المسؤولية التاريخية. وإذا كان هناك اعتذار ينبغي أن يسمعه السودانيون فعلاً، فهو ليس اعتذاراً عن بطاقة عضوية، أو مرحلة سياسية، بل اعتذاراً عن مشاريع وطنية ارتقت ذات يوم إلى مرتبة الحلم، ثم انتهت إلى أرشيف الخيبة والخذلان. وفي مقدمة ذلك مشروع “النهضة الزراعية” الذي تم تقديمه ذات يوم على أنه بوابة السودان إلى الاكتفاء الذاتي واستعادة مكانته الطبيعية كسلة غذائية للمنطقة. ولم يكن المشروع في ذلك الوقت يفتقر إلى الدعم السياسي أو الدعم الإداري أو التمويل أو الإرادة المعلنة من قيادة البلاد في ذلك الوقت. حشدت له الإمكانات، وفتحت له الأبواب، وطرح أمام الرأي العام كمشروع لجيل المستقبل. لكن ما حدث بعد ذلك كان درسا قاسيا في مدى إهدار الفرص العظيمة. وتراجع المشروع من رؤية استراتيجية كان من المفترض أن تعيد تشكيل الاقتصاد الوطني، إلى مجرد عنوان إعلامي، ثم انتهى في ذاكرة السودانيين كبرنامج في التلفزيون الوطني اسمه “سنابل”. ظلت الأرض على حالها، وبقيت المزارع على حالها، وبقيت الأزمة على حالها… لم يتغير إلا الشعارات والوعود. إذا كان هناك اعتذار فليكن لبلد أنهكته الوعود. وليكن الأمر يتعلق بأحلام أعلنت باسم التنمية، ثم انتهت في أروقة البيروقراطية وضعف التنفيذ وغياب المحاسبة والقانون. أما الحديث عن تجميد الأحزاب الذي تم تداوله، فهو في الحقيقة ليس فكرة جديدة، بقدر ما هو انعكاس طبيعي لحالة من الارتباك وفقدان الثقة المتراكمة منذ سنوات. ومنذ الاستقلال ظلت العديد من الأحزاب السودانية تتحدث باسم الوطن، لكنها عجزت في كثير من الاختبارات عن بناء الدولة، أو حماية القرار الوطني، أو إنتاج مشروع سياسي يتجاوز الأفراد إلى المؤسسات. سبق أن تناولت هذا الموضوع في عدد من المقالات أبرزها مقال “كيف أنقذت الأحزاب السودان” ضمن سلسلة وجه الحقيقة، حيث ناقشنا بالتفصيل كيف تحولت بعض القوى الحزبية من أدوات لبناء الدولة إلى معاول لهدمها. ومع كل أزمة، تتضاعف الانقسامات، وتتغير التحالفات، ويجد الخارج موطئ قدم له في الصراع الداخلي، حتى وصلت البلاد إلى مرحلة بدأت فيها بعض الأطراف تتنافس على إرضاء الأجانب. ثم جاءت الحرب الحالية لتكشف هشاشة المشهد بشكل أشد خطورة. حرب لم تترك بيتاً إلا طمسته، ولا مدينة إلا دمرتها، ولا مواطناً إلا أخذ منها شيئاً من الطمأنينة أو مستقبلاً. وفي قلب هذه الأحداث المشينة، بدا السؤال الحزبي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: أين كانت هذه الأحزاب؟ ماذا قدمتم للسودانيين غير التصريحات والاصطفافات وتبادل الاتهامات؟ ومن هنا فإن الحديث عن تجميد الأحزاب لا ينبغي أن يفهم على أنه دعوة لإلغاء السياسة، فالأمم لا تدار بغير سياسة، ولا تبنى بغير تنظيم، ولا تستقر بغير تعددية. لكن السؤال الأهم هو: هل نحن بحاجة للأحزاب بشكلها الحالي، أم إعادة ترسيخ كامل لفكرة العمل الحزبي نفسه؟ وفي رأيي أن السودان لم يعد بحاجة إلى مجرد تغيير الوجوه، بل إلى مراجعة جذرية للبنية السياسية برمتها، مراجعة تبدأ بتعريف الحزب، ووظيفته، ومصادر تمويله، وعلاقته بالمجتمع والدولة والخارج. المفارقة أن الأزمة اليوم، بحسب #وجه_الحقيقة، لم تعد في الأشخاص الذين يتركون الأحزاب أو يعتذرون عنها أو يراجعون تجربتهم معها، بل في الأحزاب التي تركت البلاد وآمال الناس في التعددية والديمقراطية، وتركت فكرتها قبل أن يغادرها أعضاؤها. ولهذا ربما السودان اليوم لا يحتاج إلى تجميد الأحزاب.. بقدر ما يحتاج إلى تجميد الفشل، وفشل العقل السياسي، وفشل المشاريع التنموية، وفشل النخب التي أدمنت التحدث باسم الشعب، مع ترك الشعب وحيدا في مواجهة التاريخ. دمتم بخير وعافية. الثلاثاء 5 مايو 2026م Shglawi55@gmail.com




