السودان – تدمير مبنى برلمان الاستقلال: شهادة على جهل النخبة السياسية السودانية بقيمة التاريخ

أخبار السودان10 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – تدمير مبنى برلمان الاستقلال: شهادة على جهل النخبة السياسية السودانية بقيمة التاريخ

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-10 13:36:00

أحمد إبراهيم أبو شوك مقال الأستاذ عثمان ميرغني عن هدم مبنى البرلمان القديم في الخرطوم أثار قضية تتجاوز الندم على مبنى أزيل أو قاعة أعيد تشكيلها. وتعكس القضية في الواقع أزمة عميقة في وعي النخب السياسية السودانية بقيمة التاريخ وآثاره الوطنية. لم يكن مبنى البرلمان القديم (أو مبنى الجمعية التأسيسية) مجرد مبنى إداري، بل كان أحد أهم معالم الذاكرة السياسية في السودان الحديث. وفي تلك القاعة، في 19 ديسمبر 1955، أعلن البرلمان السوداني استقلال البلاد، وتحدث من منبره زعماء الحركة الوطنية. كما شهدت لاحقاً اجتماعات مؤتمر القمة العربي عام 1967، الذي خرج بقرارات “اللاءات الثلاثة”، ومصالحة تاريخية بين الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والرئيس جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى تسوية مشكلة اليمن. ورغم كل ذلك، فقد تم التعامل مع هذا الموقع التاريخي وكأنه مبنى عادي يمكن إزالته أو إعادة تشكيله دون النظر إلى قيمته الرمزية. وفي هذا السياق يقول عثمان ميرغني (2018): «أخذت معي مصورين بكاميرات فيديو حديثة، وذهبت أبحث عن أطلال مقر البرلمان القديم، ولم أجد القاعة التاريخية التي حدثتكم عنها، ولا مقاعدها التي تشبه تماماً مقاعد البرلمان الإنجليزي في لندن». وبالفعل تم تحويل القاعة إلى قاعة اجتماعات للمجلس التشريعي لولاية الخرطوم. واستبدلوها من الداخل بقاعة بائسة، بحسب عثمان ميرغني، “أشبه بقاعة أفراح فقيرة في قرية صغيرة”. وبنفس العفوية، أزيلت المقاعد الأصلية للقاعة القديمة، وضاع المنبر الذي شهد لحظة إعلان الاستقلال، وتم تدمير الصور والوثائق التي وثقت مرحلة كاملة من تاريخ الدولة السودانية. والأسوأ من ذلك أن هذه الجريمة لم تكن نتيجة حرب أو كارثة طبيعية، بل حدثت في ظل الحكومات المتعاقبة، التي من المفترض أن تمثل الدولة وتحرس ذاكرتها. من المسؤول عن تدمير تراث التاريخ؟ إن مسؤولية تدمير الأدلة التاريخية لا تقع على عاتق نظام سياسي معين، بل المسؤولية المشتركة للحكومات المتعاقبة التي حكمت السودان منذ الاستقلال في الأول من يناير/كانون الثاني 1956. على سبيل المثال، تم نقل تمثال الجنرال البريطاني تشارلز جورج جوردون (1833-1885)، الذي وضعه البريطانيون في الخرطوم عام 1904 عند تقاطع شارع الملكة فيكتوريا (شارع القصر لاحقا) وشارع الجنرال جوردون (شارع الجامعة لاحقا)، إلى بريطانيا في 1959؛ لأن مناصري الحركة الوطنية سئموا وجوده في قلب العاصمة، واعتبروه رمزا من رموز الحقبة الاستعمارية. دون التفكير في توظيفها لخدمة الوعي التاريخي السوداني. عندما يقف الطالب أمام تمثال ويسأل أستاذه: من صاحب هذا التمثال؟ يجيبه الأستاذ قائلا: إنه الجنرال جوردون الذي ظن أن مجده العسكري السابق في الصين سيمكنه من قمع الثورة المهدية، لكن محاولاته باءت بالفشل عندما تمكن أنصار المهدي من تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885، وبذلك يتحول التمثال من رمز استعماري إلى شاهد تربوي على لحظة انتصار سودانية. ولكن حكامنا الوطنيين لم يكن لديهم حس التاريخ الذي كان يتمتع به الزعيم الهندي جواهر لال نهرو (1889-1964)، أول رئيس وزراء للهند المستقلة، عندما اعتبر آثار الحقبة الاستعمارية البريطانية جزءاً من تاريخ الهند. وفي هذا السياق يقول الكاتب الطيب صالح إن تمثال اللورد كلايف في دلهي ظل واقفاً في مكانه، تهب عليه الريح وتجلس الطيور على رأسه، في صورة رمزية لاختفاء الهيمنة الاستعمارية وحفظ التاريخ شاهداً عليها. الإهمال المؤسسي للذاكرة الوطنية تدمير مبنى البرلمان القديم حادثة أخرى من حوادث الجهل بالتاريخ وآثاره. وقد ترك المبنى دون رؤية واضحة للحفاظ عليه بعد أن بنى الرئيس جعفر النميري (1969-1985) مقراً جديداً لمجلس الشعب الوطني على النيل الأبيض. ومنذ تلك اللحظة بدأ طريق الإهمال. ثم جاءت الحكومات المتعاقبة -في عهد الانتفاضة والديمقراطية الثالثة، ثم في عهد الإنقاذ- ولم تفعل شيئا لحماية هذا الموقع أو تحويله إلى متحف وطني للحياة البرلمانية. وزاد شعوري بالدهشة عندما زرت مدينة باندونج الإندونيسية في أغسطس 2024، حيث وجدت أن المكان الذي انعقد فيه المؤتمر الآسيوي الأفريقي عام 1955 قد تحول إلى متحف تاريخي كامل تحت اسم “متحف المؤتمر الآسيوي الأفريقي”. وتم الحفاظ على القاعة الرئيسية والقاعات الملحقة بها، وعرض الصور والوثائق والتسجيلات الصوتية للمؤتمر، بالإضافة إلى مكتبة أرشيفية لوثائقه. وفي بهو المتحف منصة تعرض تماثيل شمعية لقادة الدول المنظمة للمؤتمر، وخلفها أعلام الدول التي شاركت فيه. في تلك اللحظة أدركت بوضوح الفرق بين الرؤية الاستراتيجية التي تحترم الذاكرة الوطنية، وقصر النظر الذي حكم طريقة تعامل النخب السياسية السودانية مع تاريخ بلادها. وتساءلت في حيرة: أين وثائق مؤتمر القمة العربي في الخرطوم عام 1967؟ أين القاعات التي شهدت تلك اللحظة التاريخية؟ خلل بنيوي في الثقافة السياسية السودانية يعكس مقال الأستاذ عثمان ميرغني خللاً بنيوياً في الثقافة السياسية السودانية. فالسياسيون منشغلون بالصراع على السلطة، بينما يفتقرون إلى الحد الأدنى من الوعي بقيمة التاريخ ورموزه. وفي الدول التي تحترم تاريخها، تتحول مواقع الذاكرة الوطنية إلى معالم محفوظة بعناية. وفي السودان، تم إهمال العديد من المعالم التاريخية تحت ضغط الحسابات السياسية الضيقة. وتحولت فقاعة البرلمان التاريخية إلى مقر المجلس التشريعي للولاية، وأزيلت حديقة الحيوان بالخرطوم ليبنى مكانها فندق تجاري (برج الفتح/كورنثيا). وهذه الممارسات ليست مجرد أخطاء إدارية، بل تعكس غياب الرؤية الثقافية لدى النخب الحاكمة. الدولة التي لا تحافظ على رموزها التاريخية تفقد جزءاً من ذاكرتها الوطنية وتضعف قدرتها على بناء هوية مشتركة بين مواطنيها، والحرب الدائرة حالياً في السودان هي أحد مؤشرات ذلك. – غياب التخطيط والرؤية الإستراتيجية القصيرة. وكنت أتمنى أن يتحول مبنى البرلمان القديم إلى متحف وطني للحياة البرلمانية السودانية، يحفظ فيه وثائق الاستقلال وصور قيادات الحركة الوطنية، ويعرف الأجيال الجديدة بتاريخ مؤسساتها السياسية. لكن ما حدث كان العكس تماماً: ضاع المكان وضاعت مقتنياته، وكأن السودان ليس له تاريخ يستحق الحفاظ عليه. إن تدمير مبنى البرلمان القديم، أيها السادة، ليس حادثة عابرة، بل مرآة تعكس أزمة عميقة في علاقة الدولة السودانية بتاريخها. وما لم تدرك النخب السياسية أن الحفاظ على التراث الوطني جزء لا يتجزأ من مسؤولية الدولة، فإن فقدان الذاكرة سيستمر، وسنظل نكتشف -مع مرور الزمن- أننا فقدنا شاهدا جديدا على تاريخنا، وسنعض على أصابعنا الندم عندما يفوت الأوان. ahmedaboushouk62@hotmail.com

اخبار السودان الان

تدمير مبنى برلمان الاستقلال: شهادة على جهل النخبة السياسية السودانية بقيمة التاريخ

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#تدمير #مبنى #برلمان #الاستقلال #شهادة #على #جهل #النخبة #السياسية #السودانية #بقيمة #التاريخ

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل