السودان – تعودوا على البدء… عندما يصبح النقد مدمرا: في الدفاع عن التقاليد الثقافية دون تقديسها

أخبار السودانمنذ 53 دقيقةآخر تحديث :
السودان – تعودوا على البدء… عندما يصبح النقد مدمرا: في الدفاع عن التقاليد الثقافية دون تقديسها

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 22:55:00

دكتور محمد عبد الله، ليس مطلوباً من أحد أن يعجب بكاتب معين، ولا أن يعترف بمكانة كاتب لمجرد أن الناس احتفوا به. فالثقافة لا تقوم على الإجماع، بل تتقدم من خلال الاختلاف. ولكن هناك فرق بين فرق يفتح باب المعرفة، وفرق يكفي لاستبعاد الآخر. بين النقد الذي يبدأ بالنصوص، والنقد الذي ينتهي عند مؤلفيها. وهذا ما يدعونا إلى التوقف عند الجدل الذي أثاره الدكتور الوليد ماديبو عندما خاطب الأستاذ عبد الله الطيب، والطيب صالح، وعلي المك، واعتبرهم جزءا مما أسماه “أصنام المركز”. فالمسألة في رأيي ليست حقه في إعادة تقييم هذه الأسماء، فهذا كما قلنا من قبل حق لا جدال فيه، بل الطريقة التي تُقرأ بها التجارب الثقافية، والنتائج التي يؤدي إليها هذا النوع من القراءة. إن تاريخ الثقافة الإنسانية مليء بالأسماء التي اختلف الناس حولها. لم يسلم شكسبير من النقد، ولا دستويفسكي، ولا تولستوي، ولا طه حسين، أو نجيب محفوظ. لكن الخلاف كان يدور حول أفعالهم وأفكارهم، وليس حول إنكار مكانتهم أو اختزال وجودهم في مجرد امتياز اجتماعي أو ثقافي. وفي السودان، لا ينبغي أن يكون الأمر مختلفاً. والأستاذ عبد الله الطيب قبل كل شيء عالم كرس حياته للبحث والتدريس والكتابة، وترك إرثا علميا لا يزال حاضرا في الجامعات داخل السودان وخارجه. وقد يختلف الباحثون مع بعض آرائه أو منهجه في قراءة التراث، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن تأثيره العلمي موثق في كتبه وبين طلابه، وليس في الهالة التي أحاط بها الناس اسمه. لم يحتل الطيب صالح مكانته في الرواية العربية لأن مؤسسة قررت ذلك، بل لأن أعماله وجدت قراء في ثقافات متعددة واستطاعت أن تتجاوز حدود المكان الذي خرجت منه. ومن الطبيعي أن تختلف القراءات النقدية لأدبه، وأن يرى بعض النقاد أن بعض أعماله أقوى من غيرها، أو أن يناقشوا تمثيله للهوامش أو الريف السوداني. لكن يبدو أن اختزال تجربته بأكملها في كونها نتاجًا للهيمنة الثقافية هو تفسير لا يجسد مدى تعقيد تلك التجربة. أما علي المك فلعله هو الأكثر تعرضاً للظلم في مثل هذه الأحكام. لقد كان روائياً حساساً وناقداً أدبياً وأستاذاً جامعياً ترك أثراً واضحاً في أجيال من طلاب الأدب. لم يعتمد مشروعه على الضجيج، بل على الكتابة الهادئة التي تحابي الإنسان وتفاصيل حياته اليومية، وهي قيمة أدبية لا تقل أهمية عن المشاريع التي تفرض حضورها بضجيجها. لكن هناك ملاحظة تبدو أكثر أهمية من الخلاف حول تقييم هذه الأسماء. إن قضية العلاقة بين المركز والأطراف، بما فيها من مظالم واختلالات تاريخية في بنية الدولة السودانية، هي قضية خطيرة ومعقدة للغاية، ولا أعتقد أنه من الحكمة إقحامها في نقاش حول القيمة الأدبية أو العلمية للأفراد، بغض النظر عن مكانتهم. هذه القضية أكبر من الأشخاص، وأعمق من أن تقتصر على أسماء محددة. ولعل الدكتور الوليد ماديبو صاحب القلم الرصين واللغة المتميزة، لم ينجح هذه المرة في اختيار النهج الأنسب للدفاع عن هذه القضية. وربط أزمة المركز والهوامش بأسماء مثل عبد الله الطيب والطيب صالح وعلي المك لا يقوي الحجة بقدر ما يضعفها. لأنه ينقل النقاش من مسألة العدالة السياسية والتنموية إلى معركة الرموز الثقافية. والأدهى من ذلك أنها تستفز شرائح واسعة من السودانيين، كثير منهم ليسوا معارضين لقضايا هامشية، بل كانوا وما زالوا جزءا من معسكر يناضل من أجل الحرية والسلام والعدالة، وهي نفس المبادئ التي قام عليها المطالبة بالعدالة للهامش وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر عدلا. ما يثير القلق هو أن الإنجاز الثقافي السوداني غالباً ما يُقرأ من خلال عدسة الهوية وحدها. فإذا كان الكاتب من الشمال يعتبر نجاحه امتيازا اجتماعيا، وإذا كان من الهامش فإن وجوده يعتبر مقاومة للمركز. وفي الحالتين يتراجع النص، ويتقدم الانتماء، ويصبح الموقع الجغرافي أهم من القيمة الأدبية. لا أحد ينكر أن السودان عرف اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة والفرص، كما لا يمكن إنكار أن أصواتاً كثيرة من كافة أنحاء البلاد لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه. لكن حل هذا الخلل لا يكون بإرساء ظلم جديد، ولا بإزالة أسماء راسخة لإفساح المجال لآخرين. العدالة لا تتحقق بالإلغاء، بل بتوسيع دائرة الاعتراف. وكان أول من أعاد تقديم أسماء كبيرة مثل إبراهيم إسحاق، ومحمد عبد الحي، ومحجوب شريف، وغيرهم من أدباء الشرق والغرب والجنوب والشمال، كجزء أصيل من المشهد الثقافي السوداني، وليس بديلاً عن أحد. الثقافة ليست سباقاً يخسر فيه اسم لينتصر آخر، بل هي تراكم تتعايش فيه الخبرات وتتفاعل. ومن العدل أيضًا الاعتراف بأن الشهرة ليست دائمًا دليلاً على العبقرية، ولكنها في الوقت نفسه ليست دليلاً على وجود مؤامرة. في كل الأدب، هناك من لم ينل التقدير الذي يستحقه، وهناك من حظي بانتشار أكبر من القيمة الفنية لبعض أعماله. لكن تفسير هذه الظاهرة برمتها بمنطق الانتماء الاجتماعي وحده يختزل المشهد أكثر مما يفسره. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان، وهو يحاول الخروج من حرب مدمرة، هو أن تتحول قضايا العدالة التاريخية إلى مادة للاستقطاب الثقافي. إن العلاقة بين المركز والأطراف ليست قضية ضد الأفراد، ولا ضد إنتاجهم الفكري، بل هي قضية تتعلق ببنية الدولة وتوزيع السلطة والثروة والفرص. وعندما تنتقل هذه المعركة من فضاءها السياسي والتاريخي إلى محاكمة الأدباء والعلماء، فإنها تفقد الكثير من قوتها المعنوية، ومعها تعاطف فئات واسعة كان من الممكن أن تكون جزءاً من مشروع التغيير نفسه. إن النقد ضرورة لا غنى عنها، ولكنه يكتسب قيمته عندما يضيف معرفة جديدة، وليس عندما يسقط الرموز فقط. الهدم عمل سهل، لكن البناء يتطلب الصبر والعدالة والرغبة في الاعتراف بالفضل أينما كان. واليوم، فيما يبحث السودان عن سبيل لإعادة بناء دولته ومجتمعه، تبدو الحاجة أكبر إلى خطاب يقرأ التراث بعين ناقدة، دون أن يتحول إلى منافسة مع الذاكرة الوطنية. التقديس لا يخلق النهضة، والتشهير لا يخلق العدالة. إن الأمم الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة الأثر الذي تتركه رموزها، لكنها أيضاً لا تجد سهولة في اختزال تاريخها الثقافي في تفسير واحد. وفي زمن تشرذم البلاد، قد يكون من الحكمة أن يبقى ما يجمع السودانيين أكبر مما يفرقهم، وأن يكون الخلاف على رموزهم اختلافاً في الفهم والتفسير، وفي حقهم في أن يكونوا جزءاً من الذاكرة الوطنية. ولن يخرج السودان من أزمته بإقامة معارك جديدة بين أبناء شعبه، بل ببناء مساحة وطنية مشتركة تتسع للاعتراف بالمظالم التاريخية والدفاع عن حقوق المهمشين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مكانة المنجز الثقافي والفصل بين نقد الأفكار وتحدي أصحابها. إن القضايا الكبرى لا تقوى عندما تتعرض لأعباء لا تطاق. بل إنها تصبح أقوى عندما يتم تقديمها في سياقها الصحيح ومبنية على ما يوحد الناس أكثر مما يفرقهم. muhammedbabiker@aol.co.uk الكاتب

اخبار السودان الان

تعودوا على البدء… عندما يصبح النقد مدمرا: في الدفاع عن التقاليد الثقافية دون تقديسها

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#تعودوا #على #البدء.. #عندما #يصبح #النقد #مدمرا #في #الدفاع #عن #التقاليد #الثقافية #دون #تقديسها

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل