اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-19 12:21:00
زهير عثمان: الواقعية السياسية أم الشعبوية الانتقامية؟ هناك مقولة جاهزة تتردد اليوم في وجه أي محاولة للتحليل الرصين: «المدنيون فشلوا». إنها جملة قصيرة ومريحة، تعطي لمتحدثها إحساسًا زائفًا بالفهم، وتلخص تعقيدات المشهد في وتد واحد. لكنها، في جوهرها، ليست قراءة سياسية بقدر ما هي «متنفس عاطفي» يهرب من مواجهة الحقيقة الصعبة. من يملك مفاتيح السلطة الفعلية في الدولة؟ احتكار العنف وهشاشة الالتقاط. انحاز الجيش إلى ثورة إبريل 2019. ولم يسقط النظام الأمني، ولم تُفكك أجهزة القمع، ولم يُنتزع السلاح من أيدي المحتكرين التاريخيين. ما حصل لم يكن انتقالاً كاملاً للسلطة، بل «صفقة قسرية» بين شارع يملك الشرعية الأخلاقية ومؤسسة عسكرية تمتلك السلاح والموارد. والسؤال المنطقي الذي يتجاهله الخطاب الشعبوي: كيف يمكن تحميل الطرف الأعزل مسؤولية انهيار التوازن الذي كان في الأصل مختلاً؟ لم تكن الشراكة خياراً حالماً، بل «هندسة الممكن» في ظل توازن القوى الذي يميل بقوة لصالح البندقية. الانقلاب ليس فشلا.. بل إجهاضا. وما يختصره البعض في الفشل المدني هو العمى عن الحقيقة التاريخية. لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 خطأ مدنيا، بل كان قرارا عسكريا استباقيا لقطع الطريق أمام مطالب التحول الديمقراطي. وهناك فرق جوهري بين «تعثر التجربة» وإسقاطها بالقوة، وحين يُقرر المسار السياسي بالسلاح، فإن ذلك لا يسمى فشلاً للسياسة، بل فشلاً للسياسة. وهذا ما يسمى بالإجهاض الهيكلي لمسار التغيير. بين الشعارات العاطفية وضرورات التأسيس، نعم، شرعت الحكومة المدنية في إصلاحات اقتصادية قاسية. من رفع الدعم إلى توحيد سعر الصرف. لكن العدالة تتطلب الاعتراف بأنها كانت عملية جراحية ضرورية لدولة مثقلة بالديون والعزلة الدولية. لم يكن رفع السودان من قائمة الإرهاب وبدء عمليات تخفيف الديون تفاصيل هامشية، بل كان “شروط بقاء” لدولة كانت على وشك الإفلاس الكامل. ولم تكن السياسة هنا بياناً ثورياً حالماً، بل كانت إدارة واقعية لبقايا عقود من الخراب. فخ الوصاية الديمقراطية. إن الخطاب الذي يختزل التجربة في كلمة “فشلوا” يعيد إنتاج منطق الوصاية القديم. وكأن الديمقراطية مشروع يجب أن يحصل على شهادة «حسن السيرة والسلوك» من معارضيه، أو يتم إنجازه بالضربة القاضية، وإلا اعتبر خيانة. يخبرنا التاريخ أن التحولات الكبرى لا تحدث من خلال التمزق الفوري، بل من خلال التراكم والمساومة وتغيير موازين القوى تدريجياً. الاعتراف بالخطأ وليس الفشل. ولا ننكر أن القوى المدنية أخطأت؛ في تراخي التحالفات، وفي بطء ملاحقة جيوب الدولة العميقة، وفي ضعف التواصل مع القاعدة الشعبية، لكن الخطأ التكتيكي في إدارة التحالف السياسي شيء، والإماتة الأخلاقية للتجربة برمتها شيء آخر تماماً. الخطأ يعالج بالتصحيح، أما «الفشل الذريع» فهو حكم يراد منه شرعنة عودة الاستبداد تحت ستار البحث عن منقذ. من اللوم إلى التشخيص فالسياسة لا تقاس بالرغبات، بل بالقدرة على المناورة في مساحة ضيقة، وكان ميزان القوى في السودان صراعا بين مشروع مدني أعزل ومؤسسات مسلحة. “التجذير في مفاصل الاقتصاد والسياسة وتكرار فيديو “مدنيون فشلوا” ليس انتقادا، بل “ذريعة شعبوية” لتبسيط واقع معقد، وهروب من استحقاق مواجهة البنية العسكرية التي تعيق أي بناء مدني. لم يكن المدنيون مجرد أفراد يقفون بلا سلاح، بل كانوا طرفا يحاول إعادة بناء الدولة من رمادها في مواجهة سلاح خارج سيطرة الدولة”. فالفشل هو قصر نظر سياسي يمهد لعودة الشمولية في قبح ظاهر. والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس من نلوم، بل كيف نغير ميزان القوى حتى لا يتكرر مشهد انهيار السياسة أمام البندقية من جديد؟
[email protected]




