السودان – دعوة البرهان للحوار الوطني: قراءة في التوقيت والأبعاد والرهانات

أخبار السودان4 يونيو 2026آخر تحديث :
السودان – دعوة البرهان للحوار الوطني: قراءة في التوقيت والأبعاد والرهانات

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-03 11:58:00

أماني الطويل دعوة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للحوار الوطني السوداني، التي أعلنها في خطابه في عيد الأضحى، تشغل المشهد السياسي بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية، بشكل مبرر، لأن الدعوة لم تصدر من فراغ، بل جاءت محملة بسياقات ميدانية وسياسية متراكمة، بأجندات متنافسة، وبأسئلة جوهرية تطرح نفسها بإلحاح: هل الحوار المعلن دعوة صادقة لبناء توافق وطني في مرحلة ما بعد الحرب؟ المرحلة؟ أم أنها أداة سياسية لإدارة الشرعية في مرحلة حرجة؟ فهل يتمتع هذا الحوار بشروط موضوعية كافية حتى لا يولد ميتا، كما ولدت قبله مسارات كثيرة في التاريخ السوداني، بما في ذلك حوار الوثبة 2014، الذي كان عدم تنفيذ مخرجاته أحد معطيات ثورة ديسمبر 2018. ولا يمكن قراءة دعوة البرهان للحوار بمعزل عن الواقع على الأرض، إذ جاءت في مرحلة يحقق فيها الجيش تقدما ملموسا في استعادة السيطرة على الخرطوم ومناطق حيوية في وسط وشرق البلاد، بعد أكثر من عامين من حرب مدمرة أدت إلى أكبر أزمة نزوح في العالم. وقد وفّر هذا التقدم للجيش مصدراً للثقة بالنفس وهامشاً سياسياً، لكنه في الوقت نفسه طرح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي النصر العسكري وحده لإعادة بناء دولة قابلة للحياة، أم أن هناك حاجة ملحة لإطار سياسي يضفي الشرعية على هذا النصر ويحوله إلى استقرار مستدام؟ وفي هذا السياق، تضمنت الدعوة بعدا لافتا وهو الاستبعاد الصريح للمتورطين في الجرائم من المشاركة في الحوار، في إشارة واضحة إلى استبعاد قوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين من أي مسار سياسي قادم، مقرونة بالرفض القاطع والصريح لأي تفاوض أو سلام معها. وسبق أن جدد البرهان هذا الموقف في أيار/مايو الماضي، عندما أكد أن المعركة مستمرة حتى الحسم، وهو ما يخلق معادلة مثيرة للجدل: الحوار الوطني مدعو، والمعارضون مرفوضون في الوقت نفسه. كما تضمن الخطاب رفضاً واضحاً لأي حلول أو إملاءات من خارج الحدود، وهو ما يمكن قراءته كرسالة موجهة إلى النظام الدولي ومحاولة لفرض رواية مفادها أن السودان قادر على إدارة تحوله بمفرده ودون دعم أو مساعدة أو تدخل من أي طرف. والمفارقة الكبرى في هذه الدعوة هي أن الحوار مطلوب في حين أن نيران الحرب لم تهدأ بعد في مناطق واسعة، أبرزها دارفور، التي لا تزال في معظمها خارج سيطرة الجيش. وتطرح هذه المعادلة تحدياً حقيقياً: كيف يمكن تحقيق الحوار الوطني الشامل في ظل غياب التمثيل الحقيقي لشعب دارفور وكردفان؟ الأكثر تضررا؟ وأحزاب سلام جوبا، التي قد تمنح أراضيها مقاعد في الهيكل الانتقالي، تخضع في معظمها لسيطرة قوات الدعم السريع، مما يجعل تمثيلها تمثيلا للانتماء وليس الواقع. علاوة على ذلك، فإن تعديل الجيش من جانب واحد للوثيقة الدستورية وتجريم الفاعلين المدنيين يضيق قاعدة المشاركة المحتملة، ويفقد الحوار طابعه الشمولي الذي يعلنه. تجربة حوار الوثبة الذي دعا إليه الرئيس السابق عمر البشير لا تزال حاضرة في الخلفية، وتجربة جنوب السودان حاضرة أيضا كمرآة إنذار، إذ أثبتت أن الهيئات والحوارات القائمة على المحاصصة الناتجة عن توازنات الحرب وليس التمثيل السياسي الحقيقي تفقد وظيفتها بمجرد انهيار تفاهماتها الهشة. ويمكن القول أن ردود الفعل على هذه الدعوة كانت متباينة. وعلى المستوى الداخلي، استقبلت الجهات السياسية الدعوة بمواقف متباينة تكشف عمق الأزمة. ورأى أنصار الجيش وأحزاب الكتلة الديمقراطية أنها فرصة لإعادة بناء الشرعية السياسية، مع التأكيد على ضرورة إجراء مفاوضات تؤدي إلى تفكيك قوات الدعم السريع، بدلا من الاعتراف بها كشريك سياسي. لكن الأحزاب السودانية التاريخية والقوى الثورية وجدت الدعوة منقوصة، دون ضمانات جدية تتعلق بالعدالة الانتقالية وحماية المدنيين وبناء جيش وطني محايد. واللافت أن الانقسامات تتكرر داخل المعسكر الواحد. وبينما يعلن بعض قيادات الكتلة الديمقراطية ترحيبهم بالدعوة، تتحفظ مكونات أخرى منها على طريقة إجراء المشاورات نفسها، في إشارة إلى أن الوصول إلى حوار فعلي لا يزال طريقا طويلا وشاقا. وعلى المستوى الدولي، أجرى بيكا هافيستو، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، في زيارته الأولى للخرطوم في مارس الماضي، مباحثات مع البرهان ركز فيها على خفض التصعيد. وفي إطار التحضير لوقف الأعمال القتالية، أكد على أولوية حماية المدنيين وبناء تدابير الثقة بين الأطراف. ويختلف هذا التأطير جذرياً عن منطق الدعوة إلى الحوار القائم على عدم الالتفات إلى المعارضين والقوى السياسية. وبينما يسعى البرهان إلى حوار وطني يعزز معادلة الحرب حتى الحل ثم التحول السياسي، تدفع الأمم المتحدة نحو خفض التصعيد أولا والحفاظ على المدنيين كبوابة لأي مسار سياسي لاحق. وقد يزيد الوضع تعقيداً وجود الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي، والإيغاد، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والتي تسعى بالتوازي إلى بناء إعلان مبادئ يشكل إطاراً لعملية سياسية شاملة، كما انعقدت الآلية. وفي مارس/آذار الماضي، جرت سلسلة مشاورات في القاهرة والخرطوم، ضمت الكتلة الديمقراطية وحزب الأمة وائتلاف “الصمود” المعارض، ومن المتوقع أن تواصل جولاتها في أديس أبابا بين الثالث والخامس من يونيو/حزيران الجاري لمراجعة الوثيقة الختامية قيد التداول. والفرق الجوهري بين مسار الآلية الخماسية ومسار البرهان هو أن الأول يتواصل مع طيف سوداني أوسع يشمل المنتمين إلى تحالف “المؤسسة” الداعم للدعم السريع، فيما تستثني دعوة البرهان هذه المكونات صراحة. وكان مؤتمر برلين الخاص بالسودان في أبريل الماضي كاشفاً في هذا الصدد، حيث أكد المشاركون الدوليون أن الحل المستدام يمر عبر عملية سياسية بقيادة مدنية. تمهيداً لمرحلة انتقالية بعد وقف إطلاق النار، وهو نهج يتناقض مع منطق الحوار بعد القرار العسكري الذي اعتمده الفريق عبد الفتاح البرهان. هذا التقاطع والتناقض بين مسارين لا يعبر فقط عن خلاف فني حول آليات الحوار، بل يعبر عن رؤيتين لمستقبل السودان: رؤية الجيش التي ترى أن الحسم العسكري شرط مسبق لأي تسوية، ورؤية الأمم المتحدة والآلية الخماسية التي ترى أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح هو طريق يؤدي إلى مزيد من التفكك وليس الاستقرار. إقليمياً، هناك إجماع عربي على رفض أي تجزئة للدولة السودانية، لكن الموقف من عملية الحوار نفسها ليس موحداً. وتؤكد مصر الداعمة لمؤسسات الدولة السودانية، خاصة الجيش، في الوقت نفسه على أهمية أن يكون للعنصر المدني شراكة فعلية وليست رسمية في مرحلة ما بعد الحرب، وتوفير منصات للتفكير في العلاقات المدنية العسكرية وقضايا العدالة الانتقالية. في المقابل، يبقى الموقف الخليجي مختلطاً، ما يفقد الحوار أحد أهم روافد دعمه الإقليمي. شروط نجاح الحوار. ولعل هذه القراءة تكشف أن الدعوة إلى الحوار بشكلها الحالي تحمل احتمالات ومخاطر في الوقت نفسه. وإمكانياتها الحقيقية تنبع من رصيد الجيش الميداني، والمطلب الشعبي الملح بوقف الحرب، وحجم الدمار الذي اتفق السودانيون على ضرورة إيقافه. أما مخاطره فهي أن الحوار المبني على الإقصاء لا ينتج سلاما حقيقيا، بل يؤجل الصراع إلى مرحلة أخرى. ولعل أهم ما تحتاجه هذه الدعوة لتتحول من خطاب إلى مسار هو أربعة أشياء: آليات واضحة، وجدول زمني ملزم وليس مجرد نوايا معلنة، وضمان تمثيل حقيقي للمناطق المنكوبة، خاصة دارفور، حتى لو تطلب ذلك ترتيبات خاصة، وفتح قنوات للتعامل مع قضية العدالة الانتقالية باعتبارها ضرورة سياسية واجتماعية لبناء السلم الأهلي والاستقرار السياسي، وليس ترفاً أخلاقياً، وأخيراً التنسيق مع الآلية الخماسية في ظل ركود الوضع السياسي. الرباعية، فالتوازي مع الخماسية ينتج في الواقع مسارين متناقضين يضعف كل منهما الآخر، بدلا من أن يكملهما. عموماً، السودان في هذه اللحظة الحرجة، في حاجة ماسة إلى إرادة سياسية تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على الانتصارات الميدانية وحدها، وأن الحوار الناجح الذي ينتج استقراراً ممتداً هو في نهاية المطاف في مصلحة الجيش السوداني نفسه، قبل أن يكون مطلباً متفقاً عليه محلياً وإقليمياً ودولياً. نقلا عن مصر . 360 كاتب

اخبار السودان الان

دعوة البرهان للحوار الوطني: قراءة في التوقيت والأبعاد والرهانات

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#دعوة #البرهان #للحوار #الوطني #قراءة #في #التوقيت #والأبعاد #والرهانات

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل