اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-26 12:56:00
وجه الحقيقة: إبراهيم شقلاوي: في الحروب الحديثة لا تتوقف المعارك عند حدود ساحة المعركة، بل تمتد إلى الأسواق المالية وسلاسل التوريد. ورغم أن البلدان قد تتحمل عسكرياً، فإنها ستظل تواجه اختبارات أخرى عندما تمتد الضغوط إلى الاقتصاد وسبل عيش الناس. ومن هذه الزاوية، يبدو أن أزمة الجنيه السوداني ليست مجرد اختلالات نقدية، إذ تتشابك العوامل السياسية الإقليمية وحسابات التسوية المرتقبة. ويأتي التراجع المستمر في قيمة العملة الوطنية في وقت تشهد فيه البلاد تحولات مهمة على الأرض، بالتوازي مع تصاعد الدعوات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار والانتقال إلى المسار التفاوضي. لذلك، يصعب فصل المشهد الاقتصادي عن البيئة السياسية المحيطة بالحرب، خاصة أن الضغوط لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت إعلامية ودبلوماسية واقتصادية أيضاً. وفي هذه الظروف المعقدة، تتجه الأنظار إلى عمق العلاقات الاستراتيجية التي تجمع السودان بشركائه الإقليميين، وأبرزهم المملكة العربية السعودية ودولة قطر. ومع تصاعد الضغوط التي تهدد الاستقرار النقدي والاقتصادي، تبرز أهمية تقديم دعم مالي مباشر أو وديعة تعزز احتياطيات بنك السودان وتساعده على استعادة التوازن في سوق النقد الأجنبي. لأن قوة العلاقات لا تقاس بحجم التصريحات أو الاتفاقات، بل بقدرتها على التحول إلى مواقف عملية تساهم في مواجهة التحديات. وتبقى الأزمات هي المعيار الأكثر دقة لقياس فعالية الشراكات ومتانتها. لكن اختزال الأزمة في غياب الدعم الخارجي لا يكفي لفهم الصورة كاملة. وتشير بيانات الغرفة الوطنية لمستوردي البترول أول من أمس إلى وجود فجوة بين عائدات التصدير وحجم الطلب على العملات الأجنبية. وخلال الربع الأول من 2026، بلغت صادرات الذهب نحو 370 مليون دولار، فيما تجاوزت فاتورة واردات الوقود 697 مليون دولار، مما خلق طلباً إضافياً على النقد الأجنبي. وأدى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود العالمية نتيجة أحداث مضيق هرمز إلى تضاعف تكلفة الواردات، مما دفع السوق الموازية إلى تلقي طلبات تفوق قدرتها على الاستيعاب، وكانت النتيجة مزيدا من الضغط على الليرة. لكن الأزمة أخطر من ذلك. ولا يعاني السودان من نقص الموارد بقدر ما يعاني من ضعف الإدارة. وتبقى الفجوة بين إنتاج الذهب والكميات الداخلة إلى القنوات الرسمية من أخطر مظاهر الخلل الاقتصادي. إن الدولة التي تنتج عشرات الأطنان من الذهب سنوياً لا ينبغي لها أن تظل رهينة ندرة النقد الأجنبي، إلا إذا كانت المشكلة مرتبطة بالحوكمة والرقابة وإدارة الموارد بكفاءة. وقد ساهم استمرار أسعار الصرف المتعددة والسياسات المرتبطة بالدولار الجمركي في تشويه السوق، وإضعاف الثقة في الجهاز المصرفي، وفتح أبواب المضاربة والفساد، ما يجعل توحيد سعر الصرف وإصلاح السياسات النقدية والجمركية ضرورة لا يمكن تأجيلها. لكن القراءة السياسية للأزمة تبقى ضرورية لفهم أبعادها الحقيقية. وهناك مؤشرات على أن الضغوط الاقتصادية أصبحت جزءاً من البيئة الدولية والإقليمية التي تدفع نحو إنهاء الحرب. والمقصود هنا ليس وجود مؤامرة بالمعنى المقصود، بل تزايد القناعة لدى الأطراف الإقليمية والدولية بأن استمرار الصراع لم يعد مستداما، وأن زيادة تكلفته الاقتصادية قد تدفع الأطراف إلى مراجعة حساباتها السياسية. وفي مثل هذه الحالات يتحول الدولار إلى ورقة ضغط مؤثرة في مسار الحرب واستعادة السلام. لكن جوهر المسألة لا يتعلق بوقف إطلاق النار وحده، بل بطبيعة السلام الذي يمكن أن ينجم عن هذه الضغوط. تختلف الأزمة السودانية عن الصراعات التقليدية. لم يكن الدعم السريع في الأصل فصيلا سياسيا، بل كان قوة مسلحة نشأت داخل المنظومة الأمنية قبل أن تدخل في مواجهة مع الدولة في أبريل 2023. لذلك، فإن أي تسوية قابلة للحياة يجب أن تبدأ بمعالجة البعد العسكري من خلال برامج التسريح وإعادة الإدماج ونزع السلاح وإعادة الإعمار، بما يحول دون تكرار ظاهرة الجيوش الموازية. ومن هنا، تبدو الدولة السودانية أمام معادلة معقدة، فاستمرار الحرب يفاقم الضغوط الاقتصادية ويزيد تكلفة الصمود، فيما قد يفرض الواقع السياسي القبول بهدنة تفتح الباب أمام النهاية. التمرد عبر ترتيبات أمنية واضحة، مع إشراك القوى السياسية والمدنية المرتبطة بالحرب في حوار سوداني سوداني حول مستقبل الدولة، دون أن يتحول السلاح إلى مصدر للشرعية السياسية أو وسيلة للاستيلاء على السلطة مع الحفاظ على العدالة الانتقالية كضامن. وبحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة فإن معركة السودان اليوم لم تعد معركة أسلحة، بل معركة اقتصاد وإرادة ومستقبل الدولة. وقد يكون الدولار أداة ضغط فعّالة، لكنه وحده غير قادر على خلق السلام الدائم، والانتصارات العسكرية وحدها ليست كافية لبناء الاستقرار المستدام. وبين ضغوط الدولار ومسارات السلام، يقف السودان أمام نقطة تحول، حيث تتقاطع الرهانات الاقتصادية مع الحسابات السياسية، ويصبح النجاح مرهونا بقدرة الدولة على تحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة ثقة مواطنيها، وصياغة سلام يحفظ وحدة البلاد ويؤسس لمستقبل مستقر. دمتم بخير وعافية. الأربعاء 24 يونيو 2026م Shglawi55@gmail.com الكاتب




