اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-26 12:08:00
بقلم عمر العمر الجدل السوداني حول تكاليف ترميم جسر حلفايا واستئجار مقرات وزارية يعكس جوانب من قضية عمرانية تمتد إلى ما هو أبعد من ريف المدينة إلى ريف البلاد. رائحة الاتجار تزداد بالتوقف. وهذا سلوك مسيء للعرف والقانون ورمز سيادة الدولة والمرأة كمعيار حضري. وهذا تراكم يتجاوز الفهم المشترك لريفية المجتمع بكل أعباءه الاجتماعية المعقدة. وهو نهج يتجاوز الاختلافات في التحضر بين البدو وسكان المدن، بكل ما فيه من تحيزات طبقية حضرية تجاه سكان الريف، إلى بنية الدولة المتخلفة. ريف العاصمة ينتجه عقل الدولة صاحبة السياسات التدميرية. إذا صح القول بأن للحرب فوائد، فيجب أن يكون أحدها هو تحضر الدولة بما يؤدي إلى تحضر العاصمة. ولا بد من وجود عقلية متحررة من كل السلوكيات الرجعية لرجال الدولة السابقين من أجل تحقيق رأس المال الحديث. ولا ينبغي أن يقتصر الجدل بشأنها على ثقافة الفساد فقط. يقيس المفكر السوري الراحل محمد شحرور الفارق بين القرية والمدينة في بون، بين القرار الأحادي والتفكير الجماعي، أي بين الاستبداد والديمقراطية. فالقمع ينتج ممارسات مشوهة والحرية تنتج سياسات صحية. لم تكن الهجرة من القرى إلى المدينة خيارا ريفيا بقدر ما كانت رحلة قسرية أملتها ضرورات الحياة بسبب سياسات الدولة الساذجة الخارجة عن إيقاع العصر. ويعزو علماء الاجتماع الحضري تدفق الهجرة من القرى إلى المدن الكبرى إلى ضعف عقل الدولة. وإنتاجها. وكما هو الحال في السودان، فإن هذا المرض، المشحون بالارتجال والفساد والعنف، يولد موجات متتالية من التهجير القسري من الريف الفقير نحو العاصمة والمدن الكبرى. وهي ظاهرة عربية تسيطر فيها الأنظمة الاستبدادية، كما في القاهرة ودمشق. ويبحث كافة النازحين عن الخدمات الطبية المتوفرة والتعليم وفرص العمل. وقد أدى هذا الفيضان غير المنظم إلى تراجع العواصم المكتظة. ولم تتمكن شبكات الخدمة الصدئة من استيعاب الموجات القادمة من كافة الاتجاهات. الخرطوم، مثل تلك العواصم، محاطة بأحزمة البؤس بأسماء عديدة مثل الأعشاش والأحياء العشوائية وبؤر الفقر. والدولة الضعيفة المنهكة، فريسة للباحثين عن الامتيازات والثروات، تركت هذا الطوفان البشري لتدير حياتها. وهكذا تم إنشاء حواجز عازلة للتكامل بين القديم والجديد. ونشأت هناك أسواق الظل مع الأنشطة التجارية الخاصة، وأوكار الجريمة، وأكوام من البطالة، وبؤر السخط الشعبي. الخرطوم مثل نظيراتها لم تفقد إيقاعها الرشيق فحسب، بل تسللت إليه سلوكيات ومظاهر بدوية. ويتجلى ذلك في المظهر الخارجي، الذي ينعكس في الأزياء، ومحلات المواد الغذائية، وطريقة تقديمها وتناولها، ودوائر المشروبات الساخنة. ولم تكتف الدولة باحتواء هذا التسلل في ظل ضعفها حتى طغت على المظهر العام. أزمة الدولة هي في جوهرها، فهي مبتلاة بالاستكبار من الداخل. ولعل هذا ما عبر عنه أحد رجالات احتفالات القصر المعروفين بظروفه على أعتاب عصر الخلاص. إنها حكاية مليئة بالسمنة الطبقية، لكنها تكشف عن رؤية اجتماعية قوية. وبعد أن تمكن ضباط انقلاب الإنقاذ من دخول القصر قال الرجل الوسيم: في زمن النميري عرفنا لمن نشكو عندما نشكو أحد أعضاء المجلس الثوري. لكن مع البشير لا نعرف إلى أين نذهب! في الواقع، ليس من التحيز. لقد صعد إلى هرم السلطة أشخاص غير قادرين على الوقوف كرجل دولة، أو معرضين للوهج الاجتماعي المعاصر. ولذلك فإن ما أسموه بالمشروع الحضاري كان مخالفاً تماماً لمفهوم الحضارة ومتخلفاً عن إيقاع العصر. وانتشرت بثور التخلف الاجتماعي في الطرقات وداخل المؤسسات، وانتشرت فيها منصات الترفيه والثقافة والتنوير. وما فاقم الأزمة هو انتشار ثقافة الفساد في ظل قمع لا سقف له ولا قاعدة. وفي ظل كل هذه الأحمال من التخلف ومطارق الأزمات، تآكلت قوة الطبقة الوسطى داخل العاصمة ومظهرها. وهم القوى الفاعلة في المدن وقاطرة الحياة الاجتماعية. ولذلك اجتمع البؤس مع سلوك الريف للتغلب على رثة العاصمة. كما تكاثرت بؤر السخط من عمق المدينة وأحزمتها، ما أدى إلى انفجار مفاجئ بشكل يصعب على آلة القمع احتواؤه. كل هذه التعقيدات المعقدة ساهمت في اندلاع الحرب الكارثية. وهي نتيجة تلقائية لريفنة عقلية الدولة البائسة الفاسدة وانتشار السلوك الريفي. وتحالف ريف الدولة والسلوكيات الريفية السائدة على تضييق مساحات التسامح على مستوى العمل العام بالتزامن مع اشتداد آليات العنف. وهذا ما حذّر منه المفكر الراحل عبد الخالق محجوب مبكراً، وسمّاه “عنف الصحراء”. المدينة فضاء مفتوح يستقبل كل القادمين دون تمييز. ولم تستوعب غالبية مدننا موجات اللاجئين النازحين إليها، حيث حافظت كل مجموعة بشرية على هويتها الريفية. وأخذت الأحياء السكنية أسماء قبلية، مثل فريق الجعلين، وفريق الشايقية، وفريق الجلابة في العديد من المدن السودانية. وقد أثرت هذه الصورة النمطية العصبية الريفية على المغتربين في بعض المنفيين. هناك اختلافات بين السلوك الريفي وأخلاق القرية. والثاني يمتدح الإرث الذي نسجه المجتمع الرعوي والزراعي. وهو الميراث الأقرب إلى الطبيعة. وقوتها المروءة والشهامة والصدق والتضامن. السلوكيات الريفية هي عدم القدرة على الاندماج في أطر مجتمع المدينة المنضبط. إنه المجتمع الذي يشكل أطره بالوعي المكتسب والرغبة في مواكبة العصر. وربما كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أشهر الزعماء العرب الذين دعوا إلى العودة إلى الأخلاق القروية. لكنه في الواقع لجأ إلى ذلك هرباً من مواجهة حقيقتين. الأول هو تمسك أهل الريف بالأمانة باعتبارها غلبة لواقع خارجي يفتقر إلى مقومات العصر نتيجة عجز الدولة. والثاني هو رحيل سكان الريف ليعيشوا في واقع أكثر تدهوراً من قراهم في ضواحي القاهرة. وهذا هو حال السودانيين أيضاً. دمرت الحرب الخرطوم حتى عادت إلى قرية مشوهة خالية من معالم العاصمة وأخلاق القرية. لكن رجال السلطة ما زالوا يتسللون إلى ريف الدولة لأنهم أسرى عقلية ريفية موبوءة بالتخلف والفساد. الجدل حول الجسر ومقر الوزارة وتعدي المرأة السيادية على ما هو قانوني ومألوف يكشف لمحة من بؤس عقلية قيادة الدولة وسيطرة الريف عليها. نقلاً عن العربي الجديد aloomar@gmail.com التدوينة عريفة الدولة appeared first on سودانايل.


