السودان – عدوى الجهل: في إدارة المسافة بينك وبين الضجيج

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – عدوى الجهل: في إدارة المسافة بينك وبين الضجيج

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 14:09:00

د. الوليد آدم ماديبو في الوقت الذي أصبح فيه التواصل متاحاً دون أي تكلفة تقريباً، لم تعد المشكلة في ندرة المعرفة، بل في فائضها الملوث. لم يعد الجهل هو غياب المعلومات، بل هو الحضور الكثيف للمعلومات المربكة وأنصاف الحقائق والآراء المنتجة بثقة أكبر من الكفاءة. هذه هي “عدوى الجهل”: انتقال أنماط التفكير السيئ من خلال الاتصال اليومي، حتى تصبح جزءًا من عاداتنا العقلية دون أن ندرك ذلك. لقد حولت وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها تطبيقات مثل واتساب، المساحة الخاصة إلى ممر عام. لم يعد بإمكانك دائمًا اختيار من يطرق بابك؛ المحادثات الجماعية تقدم أصواتاً لم تخترها، وتفرض إيقاعاً معرفياً قد لا يناسبك. وهنا يظهر التناقض: أنت حر في الفضاء العام الواسع – أنت تختار ما تقرأه وتتابعه – ولكن حريتك تتضاءل داخل مساحتك الخاصة عندما يتم غزو مذكراتك بسيل من الرسائل. لذلك، تصبح “إدارة التعرض” مهارة أساسية. ليس الهدف الانسحاب من العالم، بل تنظيم وقته وحدوده. إن تحديد نافذة زمنية ضيقة للتواصل – على سبيل المثال، في وقت متأخر من الليل – ليس ترفًا سلوكيًا، ولكنه إجراء وقائي: عندما تكون لديك طاقة أقل للتفاعل، تقل احتمالية الانخراط في جدالات عقيمة، وتصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما هو جدير وما يتم إهماله. إلا أن العدوى لا تنتقل عبر الأجهزة فقط؛ ولكن عبر البيئات. المكان الذي تعيش فيه له تأثير مباشر على مزاجك الفكري. وفي البيئات التي تتكاثر فيها المنصات، وحيث تتنافس الأفكار تحت سقف الحرية، تتوسع إمكانيات التعلم. وفي البيئات التي تكون فيها المعلومات مقيدة أو فارغة من المحتوى، يتم تضخيم الخطابة على حساب الإثبات. وهكذا يصبح النقاش العام بديلاً زائفاً للمعرفة، وتتحول «الثقافة» إلى زينة. تكشف تجربة العمل والبحث بوضوح عن هذه المعضلة – وهي خلاصة ما تكرر معي عبر البيئات المهنية المختلفة، من الولايات المتحدة إلى السودان ثم قطر – إذ لا توجد سياسة عامة دون بيانات، ولا تقييم دون شفافية. فعندما يتم حجب الإحصائيات، وإعاقة المؤسسات عن تزويد الباحثين بالمعلومات، يصبح إنتاج المعرفة مبنيا على التخمين وليس الأدلة. وعندما تنكسر دورة “تصميم السياسات – التنفيذ – التقييم”، يتحول الفشل إلى عادة صامتة، والنجاح إلى ادعاء لا أساس له من الصحة. في مثل هذه السياقات، تنتشر ظاهرة “الشامل”: شخص لديه خبرة حقيقية في مجال معين، ولكنه يتحدث في جميع المجالات بنفس الثقة. المشكلة ليست في التقاطع بين التخصصات – وهو المطلوب – بل في عدم وجود أسلوب ينظم هذا التقاطع. وبمرور الوقت، لا يقتصر التأثير على إزعاج المستمع؛ بل يمتد إلى إعادة تشكيل لغته، بحيث ينحدر الخطاب العام إلى مستوى من التبسيط المدمر، حيث يتم استبدال الحجج بالانطباعات. كيف نواجه عدوى كهذه؟ ليس عزلة تامة، ولا تساهلاً كاملاً، بل ما يمكن أن نطلق عليه «المسافة الذهنية». أن تحضر دون أن تشارك، وأن تستمع دون تقديم، وأن تضع بينك وبين الضجيج مرشحًا داخليًا يختبر كل فكرة قبل أن تستقر. إنه “قناع معرفي”، إذا جاز التعبير: فهو لا يحجب الهواء، لكنه يحبس السموم. مثلما يعد تقليل وقت التعرض أمرًا مهمًا، فإن تحسين جودته أكثر أهمية. إن استبدال ساعات من التمرير العشوائي بالقراءة المركزة – في الأدب أو الفكر أو التخصص – يعيد تدريب العقل على العمق الذي أفسدته السرعة. فالكتابة، حتى في شكل ملاحظات أو ملخصات سياسية، ليست ترفًا. بل هي أداة لمحاربة البلادة، لأنها تقتضي من صاحبها تقديم الوضوح والدليل. ويبقى أن نقول: إن المجتمعات التي لا تقدر المساءلة أو الشفافية تميل إلى تحويل الثقافة إلى واجهة. تعقد المؤتمرات، وتعقد المنتديات، لكن دون ارتباط حقيقي بدورة القرار. وهناك تصبح المعرفة «زينة» وليست «أداة»، ويصبح المثقف شاهداً لا فاعلاً. وفي هذا المناخ، ليس من المستغرب أن يتم تقديم المستوى المتوسط ​​باعتباره معياراً مريحاً؛ لا يحرج أحدا. فالمسألة إذن لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالأنماط: أنماط التفكير، وأنماط الاتصال، وأنماط إدارة الوقت. وكلما زاد وعينا بهذه الأنماط، زادت قدرتنا على مقاومة العدوى. المعرفة، مثل الصحة، لا يتم الحفاظ عليها بالشعارات، بل بالعادات اليومية: ما تقرأه، ومع من تجلس، ومدى التعرض الذي تتعرض له، وكيف تفكر. في النهاية، المعركة ليست ضد “الآخرين”، بل ضد الانزلاق غير المرئي في داخلنا. تلك الشريحة التي تبدأ بتسامح صغير مع الرداءة وتنتهي بتطبيعها. وهنا تبدأ الوقاية: أن تختار كل يوم مستوى الخطاب الذي تقبله لنفسك، ثم تدافع عنه بالصمت المتحكم فيه، وليس بالضوضاء الإضافية. 27 أبريل 2026 auwaab@gmail.com

اخبار السودان الان

عدوى الجهل: في إدارة المسافة بينك وبين الضجيج

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#عدوى #الجهل #في #إدارة #المسافة #بينك #وبين #الضجيج

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل