السودان – عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتخويف والتشهير

أخبار السودان27 فبراير 2026آخر تحديث :
السودان – عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتخويف والتشهير

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-26 12:00:00

د. محمد عبد الله muhammedbabiker@aol.co.uk في أقل من عقدين من الزمن، انتقل العالم الافتراضي من تقديم الرسائل القصيرة المتبادلة بين الأصدقاء إلى فضاء مفتوح تبث فيه الحياة اليومية على مدار الساعة. ومنصات التواصل الاجتماعي، التي ولدت كأدوات للتقارب وتبادل الأفكار، تحولت تدريجيا إلى ساحات مفتوحة. لديها الكثير من الضوء كما يفعل الظلام. وبقدر ما وفرت هذه المنصات فرصا غير مسبوقة للتعبير والإبداع، فإنها فتحت الباب على مصراعيه لأنواع جديدة من التشهير والترهيب وانتهاك الخصوصية. لم تعد الخصوصية مسألة شخصية يمكن التحكم فيها بسهولة. صورة عابرة، تعليق غاضب، مقطع خارج السياق – يمكن أن يكون كافيًا لإثارة موجة لا يمكن السيطرة عليها. في عصر السرعة الرقمية، لا ينتظر الناس التحقق؛ يكفي أن يضغط شخص ما على زر “إعادة النشر” حتى تبدأ السمعة في التآكل. السمعة الرقمية اليوم ليست انعكاسا افتراضيا للحياة الحقيقية، بل هي امتداد مباشر لها. ما يُكتب أو يُنشر في الفضاء الإلكتروني يمكن أن يؤثر على فرص العمل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الصحة العقلية. كم عدد الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في موقف المساءلة المهنية بسبب المحتوى القديم المعاد تداوله؟ كم من عائلة اضطربت حياتها بسبب شائعة انتشرت في مجموعات مغلقة قبل أن تجد طريقها إلى العلن؟ ومؤخراً، انشغل الرأي العام بين السودانيين في الخارج بقضية شاب تم استدعاؤه للتحقيق واعتقاله في إحدى الدول العربية، بعد اتهامه بنشر محتوى مسيء يستهدف المرأة السودانية عبر منصة “تيك توك”. ما بدأ كحساب يسعى لجذب المتابعين تحول إلى منصة للتشهير والسخرية والترهيب. ومع اتساع دائرة المشاهدة، تصاعدت المخاوف داخل المجتمعات، خاصة عندما تجاوز الأمر النقد أو السخرية إلى انتهاك الخصوصية والتلميح والتهديد. وانتهت القصة بتدخل السلطات، لكنها تركت وراءها سؤالا أكبر: كيف يمكن للمحتوى الرقمي أن يزرع هذا القدر من الذعر في مجتمعات متباعدة جغرافيا ولكنها متصلة إلكترونيا؟ المشكلة لا تكمن في حادثة معينة، بل في نمط متكرر يتغذى على خوارزميات تفضل الإثارة على التوازن، وعلى جمهور ينجذب في بعض الأحيان إلى المحتوى الصادم أكثر من المحتوى الرصين. لقد أصبح التحرش الرقمي ظاهرة عابرة للحدود، تستهدف أفرادًا أو مجموعات بأكملها على أساس الهوية أو الجنس أو الخلفية الثقافية. وفي كثير من الأحيان تتحول المنصة إلى أداة لفرض وصاية اجتماعية مشوهة أو تحقيق شهرة سريعة على حساب كرامة الآخرين. المخاطر متعددة. يمكن للتشهير الإلكتروني أن يدمر السمعة التي بنيت على مدى سنوات في دقائق. الابتزاز الرقمي يستغل هشاشة اللحظة الخاصة ويحولها إلى وسيلة للضغط. إن خطاب الكراهية يغذي الانقسام داخل المجتمعات، مما يقوض الثقة ويزرع الشكوك. غالبًا ما يكون التأثير النفسي على الضحايا هو الأعمق والأكثر ديمومة: القلق المزمن، والاكتئاب، والانسحاب الاجتماعي، والشعور المستمر بالتعرض الذي لا نهاية له. ومن الناحية القانونية، حاولت العديد من الدول مواكبة هذا التحول من خلال إصدار تشريعات تجرم التشهير الإلكتروني وانتهاك الخصوصية وخطاب الكراهية. ومع ذلك، فإن طبيعة الفضاء الرقمي العابرة للحدود تجعل إنفاذ هذه القوانين تحديًا معقدًا. وقد تتم إدارة الحساب في دولة، والخادم في دولة أخرى، والضحايا في عدة دول. ولذلك أصبح التعاون القضائي وتبادل المعلومات بين الدول ضرورة وليس ترفاً قانونياً. لكن القوانين، مهما كانت صارمة، لا يمكنها وحدها تنظيم مساحة تعتمد في المقام الأول على مشاركة المستخدم. والمنصات نفسها مطالبة بتطوير آليات أكثر فعالية وسرعة للتعامل مع البلاغات، ومراجعة سياساتها بما يوازن بين حرية التعبير وحماية الأفراد من الأذى. وتقع المسؤولية أيضًا على عاتق المستخدم العادي: إعادة النشر ليست عملاً محايدًا، ولكنها قد تكون مشاركة ضمنية في عملية تشهير. ويظل السؤال الأعمق، أخلاقيا قبل أن يصبح قانونيا: ما هو نوع المجتمعات التي نريد أن نبنيها في هذا الفضاء الجديد؟ إذا كانت الحرية الرقمية قيمة يجب الدفاع عنها، فهي لا تنفصل عن المسؤولية. إن الكرامة الإنسانية ليست مضموناً قابلاً للتفاوض، وليست موضوعاً للسخرية العابرة. ربما تكون قضية الشاب الذي أثار الذعر بين الجاليات السودانية قد انتهت قانونيا، لكن آثارها أوسع من شخص واحد. إنه تذكير بأن الأدوات التي بين أيدينا محايدة بطبيعتها؛ ونحن من نحدد اتجاهها. وبين أن تكون منصات التواصل جسوراً للقاء أو منصات للتشهير، يقف وعي المجتمع وتشريعات الدولة والمسؤولية الفردية. في عالم تتحرك فيه الكلمات بشكل أسرع من الأفكار، ربما يكون أبطأ شيء نحتاجه هو لحظة تفكير قبل النشر. تلك اللحظة وحدها قد تكون الفارق بين الرأي الشرعي والجرح الذي لم يلتئم.

اخبار السودان الان

عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتخويف والتشهير

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#عندما #تتحول #منصات #التواصل #الاجتماعي #إلى #ساحات #للتخويف #والتشهير

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل