اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-26 12:58:00
هيثم عثمان إبراهيم إن أخطر ما يواجه المجتمعات في لحظات انهيارها ليس أنها تواجه شرا راسخا منظما له مشروع واضح. هذا النوع من الشر كبير كما يُرى. فعندما يُرى يمكن مواجهته وتسميته وبناء جبهة ضده مهما كلف الأمر. الخطر الأعمق هو ذلك الذي لا يمكن رؤيته ولا تسميته ولا الشعور به إلا بعد فوات الأوان، وهو ما يتسلل إلى مسام الحياة اليومية متنكراً في شكل خفة لا تثير القلق، في شكل تفاهات مألوفة، أو في نبرة حديث ينبعث بلا مضمون ولا اتجاه. إن المجتمعات لا تسقط إلا عندما تهزمها الجيوش في العمق. بل تسقط وتتفكك وتذبل عندما تفقد القدرة على إنتاج المعنى. فعندما يصبح الفراغ هو الأساس، لم تعد هناك حاجة لهدم المبنى لأنه ينهار من تلقاء نفسه بصمت دون أن يعلم أحد أن الانهيار الحقيقي بدأ منذ زمن طويل وأن ما نراه الآن ما هو إلا ذروة لمسار خفي من التآكل. وفي السودان اليوم، لا تقف الحرب وحدها شاهدة على الخراب، فالحرب مشهد رهيب ودموي لا تخطئه العين. لكن ما قبله وما يحيط به وما يتخلله من كلمات وأصوات وخطابات هو الأخطر. هناك ضجيج هائل، وأصوات ترتفع من كل جانب، وأقوال تكتب وتتلى ثم تُنسى. تملأ التصريحات الفضاء العام، لكن لا شيء من هذا يحمل أي معنى. والمعنى بتعريفه الدقيق لا يوجد في كثرة الكلام، بل في قدرة الكلام على ربط الناس بسؤال وجودي واحد: لماذا نحن هنا؟ ماذا نبني؟ ما هي الحقيقة التي نعتمد عليها ونحن نواجه الموت والدمار والتهجير؟ عندما تغيب هذه التساؤلات ويحل محلها ضجيج التحليلات الفارغة والتصريحات المنهكة والشعارات التي فقدت ارتباطها بالواقع منذ زمن طويل، فإننا لا نواجه فقط أزمة سياسية، رغم كل جسامتها. بل إننا أمام أزمة وجودية أعمق، هي أزمة المعنى. ما يحدث في المجال العام السوداني اليوم ليس مجرد استقطاب سياسي حاد. هناك شيء آخر، شيء يحدث في أساس الوعي الجماعي، تحول في طبيعة الكلام نفسه، في وظيفته، وفي فائدته. ولم يعد الكلام أداة للفهم، بل أصبح أداة للضجيج وملء الصمت وتغطية الفراغ. ولم تعد وسيلة لبناء يقين مشترك، بل أصبحت وسيلة لحجب الحقائق وصرف الانتباه عن ما هو ضروري. في هذا الفضاء بالذات، تزدهر التفاهة. ليس لأن الناس أغبياء، بالطبع لا. بل لأن التفاهة توفر راحة مؤقتة من ثقل الأسئلة الكبيرة. الأسئلة الكبيرة مرهقة لأنها تتطلب منصبا ومسؤولية وقدرة على تحمل الغموض والتوتر وعدم اليقين. أما التفاهة فهي تمنحك يقيناً رخيصاً، وعدواً واضحاً لا لبس فيه، ومؤامرة جاهزة للقبول، وشعاراً يريح ضميرك دون أن يطلب منك شيئاً. وهكذا يتحول التفاهة إلى هروب. ومن يلجأ إلى التفاهة ذات يوم يجد صعوبة حقيقية في الخروج منها لأنها تمنحه ما يبدو فهما، بينما هي في جوهرها هروب من الفهم، وبديل للفهم، ودفاع نفسي ضد الفهم. وهنا تكمن خطورة ما وصفته الفيلسوفة حنة أرندت بـ”تفاهة الشر”. الشر في شكله الحديث لا يحتاج إلى وحش شيطاني، أو عقل مدبر عبقري، أو كراهية استثنائية. لا يحتاج إلا إلى أشخاص عاديين فقدوا القدرة على التفكير والتمييز وطرح الأسئلة. أشخاص يتصرفون وفق المعتاد، وحسب ما هو سائد، وحسب ما هو متوقع منهم دون أن يتوقفوا لحظة ليسألوا أنفسهم: ماذا أفعل حقًا؟ ما الذي أشارك فيه؟ وفي السودان على سبيل المثال يمكن رؤية هذا النمط بوضوح في أكثر من مكان وزمان. لم تكن الحرب خاضتها فقط من حمل السلاح في أيديهم، بل شنها أيضًا من ملأوا الفضاء بخطاب الكراهية ليل نهار، ومن برروا القتل بضرورات وهمية اخترعوها، ومن حولوا النقاش العام إلى ساحة للتصفية والإلغاء الأخلاقي. هذه ليست كلها شر بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. وكثير منهم أشخاص عاديون في حياتهم الشخصية وفي تعاملاتهم اليومية. لكنهم تخلوا عن عبء التفكير واستسلموا لتيار التفاهة الذي يحملهم دون أن يعرفوا إلى أين لا يريدون وإلى أين لا يظنون أنهم ذاهبون. والمعضلة الأعمق هي أنه عندما يتراكم هذا النمط من الوجود سنة بعد سنة وعقدا بعد عقد، فإنه يصبح طبيعة ثانية. ويصبح التدمير نتيجة طبيعية وليس حدثا استثنائيا مفاجئا. عندما يفقد مجتمع -أي مجتمع- حساسيته للعمق، ويعتاد العيش في ظل الضجيج بلا محتوى، يصبح السقوط مجرد تفصيل في طريق أطول بدأ من اللحظة التي تم فيها قبول التفاهة بديلا للمعنى، والفراغ بديلا للوعي، والسطحية بديلا للإنسان نفسه. وفي السودان لم تبدأ الأزمة في أبريل 2023م. وما الحرب إلا اللحظة التي تتجسد فيها في آن واحد كل هشاشة المعنى التي تراكمت على مدى عقود طويلة من الحكم الشمولي والفساد المعرفي. النظام السابق لم يحكم إلا بالقمع والاعتقال والحرمان. بل هو حكم، وهذا هو الأشد جفافاً لمصادر المعنى العام. لقد دمر التعليم بشكل منهجي، ودمر الثقافة والفن والفلسفة، ودمر التساؤل، وقتل الفضول، وقام بتربية أجيال بأكملها على الاعتقاد بأن الطاعة هي أعلى الفضائل، وأن التفكير خطر غير آمن، وأن العمق ترف لا لزوم له في عصر بناء “الحضارة”. ثم جاءت الحرب بعد كل ذلك لتكشف عن حصاد هذا الدمار الطويل. لكن الأخطر، ودائماً هناك خطر أكبر لم يأت بعد.. والأخطر هو ما يأتي بعد الحرب. فالسلام، إذا جاء، لن يكون مجرد وقف القتال وإسكات البنادق. هذا سلام زائف، أو لنقل هذا شرط للسلام، وليس السلام نفسه. إن السلام الحقيقي الدائم الذي يمنع تكرار الكارثة هو استعادة القدرة على إنتاج المعنى. إنها إعادة بناء الإنسان السوداني الذي يستطيع أن يتساءل ويميز ويقاوم إغراء التفاهة والكراهية السهلة. ومن دون هذا الشرط فإن أي سلام يتم التوصل إليه سيكون بمثابة هدنة مؤقتة بين حربين واستراحة يلتقط فيها المقاتلون أنفاسهم وتتكرر ظروف الحرب المقبلة. المؤسسات وحدها لا تكفي، والدساتير رغم أهميتها لا تصنع أوطاناً إذا تحطمت أرضية الوعي. إن العدالة الانتقالية، بكل ما تحمله من وعود، لن تستعيد المعنى الذي تآكل على مر السنين. المطلوب شيء أعمق.. شيء يتعلق بالثقافة والتعليم واللغة وطريقة الكلام وطريقة العيش. المطلوب هو مشروع لإعادة بناء الإنسان السوداني، وليس مجرد بناء الدولة السودانية. وهذان المشروعان ليسا منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة. قد يقول قائل، وهذا أمر مفهوم: هذا كلام نظري بعيد عن أولويات اللحظة. الأولوية الآن هي وقف الحرب وإطعام الجياع وإيواء النازحين وعلاج الجرحى. وهذا صحيح بالطبع. بل هو واجب فوري لا يمكن تأجيله. لكن السؤال يظل ملحا ولا يمكن كبحه: كيف وصلنا إلى هنا؟ أليس لأن أجيالا بأكملها، بما فيهم نحن، نشأت على الاعتقاد بأن المعنى لا قيمة له، وأن القوة هي المعيار الوحيد، وأن السؤال حرام أو مشبوه؟ إذا لم نفهم ذلك بعمق، وإذا لم نضعه في قلب أي مشروع للمستقبل، فسنكرر الكارثة مراراً وتكراراً، بوجوه جديدة، وأسماء جديدة، وشعارات جديدة، ولكن بالجوهر نفسه. إن الحرب الحالية ليست الأولى في تاريخنا، وللأسف لن تكون الأخيرة إلا إذا امتلكنا الشجاعة لمواجهة العدو الحقيقي. العدو ليس فقط من يحمل السلاح ويدمر المدن، بل هو من يحمل الفراغ ويملأ به الفضاء حتى يصبح كل شيء بلا معنى، وحتى يصبح الموت نفسه، بسبب التكرار والملل، مجرد رقم في خبر عابر يُقرأ ثم يُنسى. إن ما يحتاجه السودان اليوم بعمق ليس مجرد مشروع سياسي مهما كان معقدا. إنها تحتاج إلى نهضة المعنى. إنه يحتاج إلى الكلمة حتى تستعيد ثقلها المسؤول. لكي يستعيد السؤال هيبته المفقودة. ولكي يستعيد الإنسان، كل إنسان، قدرته على التمييز بين الجوهري والهامشي، وبين الحقيقي والزائف، وبين البناء والتدمير. وهذا ليس ترفاً فكرياً نعلقه على هامش النقاش الوطني. هذه هي القضية الوجودية المركزية التي بدونها سيكون كل شيء آخر مجرد رأب مؤقت للشقوق العميقة. إن بناء الدولة الذي نقاتل من أجله لا يمكن أن يتم على مثل هذه الأرضية الثقافية الممزقة. الدولة ليست مؤسسات وقوانين وإجراءات فقط. والدولة قبل كل ذلك لها معنى. إنها فكرة يعيش الناس من أجلها ويدافعون عنها ويشعرون أنهم جزء منها ومن نسيجها ومصيرها. وعندما تموت هذه الفكرة، أو تُسرق، أو يُستبدل بالتفاهة المستمرة، تموت الدولة، حتى لو بقيت مبانيها شامخة، وحتى لو بدا كل شيء طبيعياً على السطح. لقد واجهنا في السودان مرارا وتكرارا شرا راسخا. لقد واجهناها في عصر الخلاص البائد، ونواجهها اليوم في هذه الحرب العبثية. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصراحة وقسوة ودون غموض: هل نحن مستعدون لمواجهة الشر الخفيف؟ ذلك الشر الذي لا يحمل سيفاً، بل يحمل ميكروفوناً ومنصة. الشر الذي لا يبني معتقلات، بل يبني مساحات للثرثرة والضجيج. الشر الذي لا يقتل الجسد، بل يقتل الروح، يقتل العقل، ويقتل القدرة على الحلم بالمستقبل. هذه المعركة… معركة المعنى لم تبدأ بعد. وكل حديث عن السلام والدولة والمستقبل سيبقى ناقصا ومبتورا ما لم نضع هذه المعركة في قلبها ومركزها، وليس على هامشها. لأن المعنى في النهاية ليس ترفاً وليس زيادة فكرية. وهو أساس وقاعدة المبنى بأكمله. وعندما ينهار الأساس، ينهار كل شيء آخر بصمت، دون ضجيج، ودون أن يشعر أحد بأن الانهيار قد اكتمل منذ زمن طويل. haytham.compre@gmail.com الكاتب




