اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 11:24:00
مهدي داود الخليفة أزمة السودان اليوم ليست الحرب فقط، ولا الانهيار الاقتصادي، ولا حتى الانقسام السياسي الحاد. والأخطر من ذلك أن الدولة نفسها بدأت تفقد رمزيتها، وأن المناصب السيادية التي كانت تمثل هيبة السودان وكرامته تحولت إلى موضع للدهشة والسخرية والحزن. ما نشاهده اليوم في أداء السيد كامل إدريس رئيس الوزراء المكلف ليس مجرد أخطاء بروتوكولية تمريرية، بل هو تعبير مؤلم عن انهيار مفهوم الدولة وهيبة السلطة في السودان. وشاهد السودانيون بذهول مشاهد زيارة كامل إدريس لدولة إريتريا، وهو يهتف بين الحشود مرددا: “عاش الرئيس أسياس أفورقي!”. ما هذا المكان الذي وضع فيه رئيس وزراء السودان؟ وما هي الرسالة التي توجه إلى شعب أنهكته الحرب عندما يرى رئيس وزرائه يردد هذه الصورة في تجمع حاشد داخل دولة أخرى؟ في الأعراف السياسية، يفترض برئيس الحكومة أن يمثل سيادة بلاده وكرامتها الوطنية، لا أن يتحول إلى مشارك في مهرجان تعبئة يفقد فيه كرامة المنصب وحدوده البروتوكولية. ثم جاءت الزيارة إلى المملكة العربية السعودية، والتي تمت دون ترتيب مسبق، إذ لم يستقبله أي مسؤول كبير، في مشهد قرأه كثير من السودانيين على أنه انعكاس لمدى التراجع الذي أثر على صورة الدولة السودانية إقليميا. ولم يكن الوضع أفضل خلال زيارته الأخيرة للمملكة المتحدة، فهو لم يلتق بأي مسؤول كبير في الحكومة البريطانية، رغم أن الأعراف الدبلوماسية الراسخة تشير إلى أن زيارات رؤساء الحكومات – حتى عندما تكون ذات طبيعة خاصة أو غير رسمية – تستخدم عادة لترتيب اجتماعات سياسية أو بروتوكولية تعكس مستوى العلاقات الثنائية وتحافظ على الحد الأدنى من الاعتبار السياسي للدولة الزائرة. لكن غياب أي تواصل رسمي بريطاني واضح مع كامل إدريس خلال الزيارة ترك انطباعا لدى الكثير من السودانيين بأن السودان موجود الآن بلا ثقل سياسي حقيقي، وأن منصب رئيس الوزراء نفسه لم يعد يتمتع بالاحترام والاعتبار الذي كان يجده في العواصم الكبرى. يُذكر أيضًا أن التقرير الحكومي الصادر عن الزيارة أشار إلى لقاءات مع مسؤولين بريطانيين، إلا أن الجانب البريطاني لم يشر إلى تلك اللقاءات أو يمنحها أي حضور رسمي في تصريحاته أو منابره الإعلامية، مما عزز الانطباع بأن ما حدث كان أقرب إلى ترتيبات علاقات عامة محدودة تمت بطلب من مكتب السيد كامل إدريس، وليس إلى لقاءات سياسية تعبر عن اهتمام بريطاني فعلي بالتواصل مع القيادة السودانية الحالية أو التعامل معها كشريك سياسي يتمتع بثقل واعتبار معروف في العلاقات بين الدول. ثم جاء المشهد الآخر الأكثر إيلاماً: لقاءه المرتبك مع رئيسة وزراء بنجلاديش داخل بهو أحد فنادق لندن، حيث تم اللقاء بطلب مباشر من كامل إدريس بعد تزامن وجود المسؤول البنجلاديشي في الفندق. ومعلوم أن العلاقات الدولية لها هيبتها، وحتى الاجتماعات العابرة بين رؤساء الحكومات تدار وفق ترتيبات تحفظ مكانة الدول، وليس بمنطق «التقاط الصور» أو «مطاردة الاجتماعات» في أروقة الفنادق. ولم يتعرض رئيس الوزراء السوداني للإذلال كما هو عليه اليوم. السودان الذي عرف الزعيم إسماعيل الأزهري لم يكن بلدا هامشيا في محيطه. كان الأزهري يدخل القاعات ممثلا لدولة عرفت قيمتها وعرفت كيف تخلق احترامها. وعندما تولى عبد الله خليل رئاسة الوزراء، ارتبط مفهوم الدولة بعد الاستقلال بحماية السيادة الوطنية والحفاظ على حدود البلاد. وكان رجال تلك الفترة، على اختلاف توجهاتهم، يدركون أن كرامة الدولة تبدأ من حماية أرضها وهيبتها، وليس من خلق مشاهد مربكة أو البحث عن أضواء عابرة. والسودان الذي عرف محمد أحمد المحجوب هو نفسه السودان الذي خرجت من عاصمته «أرقام الخرطوم الثلاثة» بعد هزيمة 1967، بحيث أصبحت الخرطوم حينها مركز القرار العربي، وليس هامشه. وظل الإمام الصادق المهدي يحمل في المحافل الدولية والمنتديات العالمية والإقليمية صورة رجل الدولة السوداني ببلاغته وهيبته وثقافته السياسية. عندما كان سر ختم الخليفة يقود الحكومة الانتقالية، كان السودان يستقبل ملكة بريطانيا على مرأى من دولة محترمة تعرف كيف تدير العلاقات الدولية. وحين جاء الدكتور الجزولي دفع الله كانت البلاد، رغم أزماتها، تحافظ على هيبة السلطة وهيبة مؤسسات الدولة واحترام الوظيفة العامة. وفي عهد الدكتور عبد الله حمدوك عاد السودان إلى الساحة الدولية، وبدأت عملية الإعفاء من الديون، واستعادت البلاد بعض احترام المجتمع الدولي بعد عقود من العزلة. ولم تخل الفترة الانتقالية من الأخطاء، لكن هناك فرقا كبيرا بين حمدوك رجل الدولة الذي يتحرك ضمن مشروع استعادة وضع السودان، وبين مشاهد الارتباك الحالية التي تحول منصب رئيس الوزراء إلى موضع للسخرية والأسى. كتبنا من قبل: “كامل إدريس.. عندما يكون العنوان أكبر من الحلم وأصغر من الوطن”. لم نكن نضرب الرمال. المشكلة لم تعد في شخص كامل إدريس وحده، بل في الطريقة التي أصبح بها السودان كله يدار: دولة تدار بلا مؤسسات، بلا رؤية، ودون فهم معنى الرمزية السياسية. هيبة الدولة ليست ترفاً بروتوكولياً. فهو جزء من الأمن القومي. وعندما تسقط هيبة المنصب تسقط معها صورة الدولة في عيون مواطنيها والعالم. وما يحزن السودانيين ليس الأداء الضعيف فحسب، بل الشعور بأن هناك من يحاول عمدا تدمير ما تبقى من رمزية الدولة السودانية. ولهذا ليس غريباً أن يستحضر السودانيون اليوم صور رجال الدولة العظماء كلما شهدوا هذا التراجع المؤلم في صورة رئيس الوزراء. يتذكرون كرامة محمد أحمد محجوب، وهيبة القائد إسماعيل الأزهري، وكاريزما الإمام الصادق المهدي، ليس كشخصيات بلا عيوب، بل كرجال فهموا أن الدولة ليست مسرحاً للاستعراض، وأن المنصب العام ليس مناسبة للعاطفة المرتجلة أو المشاهد المشوشة، بل مسؤولية تتطلب التوازن والوعي والهيبة التي تحافظ على احترام السودان أمام شعبه والعالم. ولهذا يهتف السودانيون اليوم بأسف ممزوج بالمرارة والحنين لتلك الأيام المشرقة. إن أخطر ما يواجهه السودان اليوم ليس فقط انهيار الاقتصاد أو استمرار الحرب، بل تآكل صورة الدولة نفسها في الوعي الداخلي والخارجي. ولا تقاس الدول بجيوشها ومواردها فحسب، بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على هيبة مؤسساتها واحترام مواقعها السيادية. ما يحدث اليوم يبعث برسالة مزعجة مفادها أن السلطة في السودان أصبحت تدار دون إحساس بالتاريخ، ودون وعي بقيمة الرمزية السياسية، ودون وعي بأن صورة رئيس الوزراء ليست مسألة شخصية، بل هي انعكاس مباشر لصورة البلاد بأكملها. لقد مر السودان بأزمات أكثر تعقيدا من هذه، لكنه حافظ دائما على بعض من كرامة الدولة واحترام المناصب. لكن عندما يتحول المشهد السياسي إلى حالة من الارتباك والعشوائية وفقدان التوازن، فإن الخطر لا يقع على الحكومة وحدها، بل على فكرة الدولة نفسها. واليوم لا يحتاج السودان إلى مزيد من الواجهات الشكلية، بل إلى رجال دولة يدركون أن احترام المنصب يبدأ أولا باحترام رمزيته، وأن هيبة الأمة ليست مجرد تفصيلة بروتوكولية عابرة، بل هي جزء لا يتجزأ من كرامة الشعب وذاكرته الوطنية ومستقبل أجياله. نقلاً عن صفحة خلفية الأستاذ مهدي داود على الفيسبوك الكاتب.




